
لم تكن الأنظار متركّزة في غرف الأخبار أو البيانات الدبلوماسية في خضم التوترات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال يناير الجاري؛ بل تركّزت بشكل متزايد نحو شاشات التداول في منصات “أسواق التنبؤ”.
ووجد “المتنبئون الهواة” في هذه الأحداث فرصة للمضاربة المالية، حيث ضخوا ملايين الدولارات في منصتي “بولي ماركت” و”كالشي” للمراهنة على مصير المرشد الأعلى لإيران، في مشهد يعكس كيف تحولت الأزمات العالمية الكبرى إلى ساحة للمراهنة تشبه تلك التي يمارسها مشجعو كرة القدم حول مستقبل مدربيهم.
ولم تعد هذه المنصات مجرد ظاهرة هامشية يرتادها المهووسون بالسياسة كما كان الحال في بداياتها، بل أصبحت اليوم قوة مالية وإعلامية لا يمكن تجاهلها في الثقافة الأمريكية والعالمية.
وتتيح هذه الأسواق للمستخدمين المراهنة على أي شيء تقريبًا، بدءًا من نتائج الانتخابات الرئاسية والقرارات السياسية المصيرية، وصولًا إلى تفاصيل الحياة اليومية للمشاهير مثل تاريخ حفل زفاف النجمة تايلور سويفت.
وقد تجلى هذا التحول الجذري في عطلة نهاية الأسبوع التي تزامنت مع التوترات الإيرانية، حيث اخترقت احتمالات “بولي ماركت” البث التلفزيوني لجوائز “غولدن غلوب”، في حين أعلنت مؤسسات إعلامية عريقة مثل “سي إن إن” و”وول ستريت جورنال” عن شراكات استراتيجية لدمج بيانات هذه الأسواق في تقاريرها الإخبارية، مما يضفي شرعية غير مسبوقة على هذه الصناعة الناشئة.
وتشير لغة الأرقام إلى انفجار هائل في حجم الأموال المتدفقة عبر هذه القنوات؛ فوفقًا لبيانات بنك الاستثمار “بايبر ساندلر”، شهد شهر ديسمبر وحده تداول ما يقرب من 12 مليار دولار على منصتي “كالشي” و”بولي ماركت”، مسجلًا زيادة قياسية تجاوزت 400% مقارنة بالعام السابق.
ودفع هذا النمو المتسارع المستثمرين لضخ مليارات الدولارات في الشركتين، لترتفع القيمة السوقية لـ”كالشي” إلى 11 مليار دولار، و”بولي ماركت” إلى 9 مليارات دولار، مما يجعلهما من أبرز الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا، مدعومتين بشبكة علاقات قوية تشمل دونالد ترامب الابن، الذي يعمل مستشارًا لكلتا الشركتين.
وتعمل هذه الأسواق بآلية تختلف جوهريًا عن مكاتب المراهنات التقليدية؛ فهي لا تلعب دور “المؤسسة” التي تراهن ضد العميل، بل توفر منصة لتداول العقود بين المشترين والبائعين وتكتفي بتحصيل رسوم التداول.
وتعتمد المنصات على طرح أسئلة محددة بنعم أو لا، مثل “هل سيسقط النظام الإيراني قبل عام 2027؟”، حيث يشتري المستخدمون عقودًا تتراوح قيمتها بين 0 و1 دولار.
ويعكس سعر العقد احتمالية وقوع الحدث؛ فسعر 0.90 دولار يعني أن السوق يرى احتمالًا بنسبة 90% لحدوثه، وعند تحقق التوقع، يحصل حامل العقد الصحيح على دولار كامل، مما يحول المعلومات والتحليلات السياسية إلى سلع قابلة للتداول والربح الفوري.
ويثير الصعود الصاروخي لهذه المنصات التي تمثّل “الجانب المظلم” قلق المشرعين والخبراء، لاسيما المخاوف المتعلقة بانتشار القمار واستغلال المعلومات الداخلية؛ فبعد أن كانت المراهنات الرياضية محظورة لعقود، فتح قرار المحكمة العليا لعام 2018 الباب واسعًا أمام تقنينها، مما دفع الخبراء للتساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة تتجه نحو “مقامرة على كل شيء.
وتتصاعد المخاوف من أن تتحول هذه الأسواق إلى وسيلة للتربح غير المشروع عبر استغلال معلومات سرية، كما حدث في واقعة مثيرة للجدل حين راهن مستخدم مجهول بمبالغ ضخمة على سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل ساعات فقط من اعتقاله بواسطة الجيش الأمريكي، ليخرج بربح صافٍ بلغ 410,000 دولار، مما أثار شكوكًا قوية حول تورط مسؤولين حكوميين في تسريب خطط عسكرية لأغراض الربح.
وفي المقابل، يدافع المؤسسون والمؤيدون، مثل طارق منصور الشريك المؤسس لـ”كالشي”، عن هذه المنصات باعتبارها “أصدق أداة لتجميع المعلومات”، مستندين إلى مبدأ “حكمة الجمهور” وأن المال يمنع الناس من الكذب في توقعاتهم.
ويرون أن هذه الأسواق توفر وضوحًا حول العالم يتجاوز ما تقدمه استطلاعات الرأي التقليدية، مستشهدين بنجاح “بولي ماركت” في توقع فوز ترامب في انتخابات 2024 بنسب فاقت التوقعات التقليدية، وتنبؤها الصحيح بـ26 من أصل 28 فائزًا في جوائز “جولدن جلوب”.
وشهدت العلاقة بين هذه المنصات والسلطات الأمريكية تحولات دراماتيكية؛ فبعد أن تعرضت “بولي ماركت” لغرامات ومداهمة منزل مؤسسها شاين كوبلان من قبل عملاء فيدراليين، تحول المشهد تمامًا بعد فوز ترامب، حيث أُسقطت التحقيقات ودُعي كوبلان إلى البيت الأبيض؛ ورغم ذلك لا تزال المعركة مستمرة على مستوى الولايات، حيث تصر العديد منها على تصنيف هذه الأنشطة كـ”مقامرة” تتطلب تراخيص خاصة، مما ينذر بمعارك قضائية قد تصل إلى المحكمة العليا.
وتبقى معضلة “التلاعب بالسوق” هاجسًا يؤرق المراقبين، خاصة مع انخراط شخصيات نافذة في التأثير على نتائج الرهانات؛ ولعل أبرز مثال على ذلك ما قام به برايان أرمسترونج الرئيس التنفيذي لشركة “كوين بيس”، الذي تعمد قراءة كلمات محددة خلال مكالمة أرباح الشركة لأنه كان يعلم بوجود رهانات عليها، واصفًا الأمر بأنه “مجرد مرح”، بينما يرى فيه آخرون تلاعبًا واضحًا يبرز هشاشة هذه الأسواق أمام نفوذ الأفراد، مما يضع مستقبل “أسواق التنبؤ” بين مطرقة التنظيم وسندان الرغبة الجامحة في معرفة – والربح من – المستقبل.




