تدخل OpenAI مرحلةً جديدةً بعد إطلاق نموذجها الأحدث «GPT-6 Astra»، الذي وصفته الشركة بأنّه يمثّل «قفزةً جيليةً في القدرات»، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة على العمل باستقلالية، وتجاوز القيود الموضوعة لها، بل والتنسيق فيما بينها بطرق لم يتوقعها مطوّروها.
وقال رئيس OpenAI جريج بروكمان إن النموذج الجديد قد يمثّل نقطة تحوّل يمكن عندها اعتبار البشرية قد دخلت فعليًا «عصر الذكاء الاصطناعي العام»، مشيرًا إلى أنّ تقييم هذه المرحلة قد يصبح أكثر وضوحًا بعد مرور سنوات.
ويأتي إطلاق Astra بعد أكثر من عام على طرح GPT-5 ونحو شهرين من إطلاق GPT-5.6، آخر نماذج الجيل السابق للشركة.
ويركّز GPT-6 Astra بصورةٍ خاصة على القدرات الوكيلة، التي تتيح للنموذج تنفيذ مهام متعددة المراحل بدرجةٍ أكبر من الاستقلالية، بما في ذلك إنشاء مواقع إلكترونية عاملة، وإعداد المستندات وجداول البيانات والعروض التقديمية، فضلًا عن التعامل مع مهام برمجية معقّدة داخل قواعد شيفرات حقيقية.
وتسعى OpenAI من خلال هذه القدرات إلى تعزيز حضورها في سوق المؤسسات، ومنافسة الشركات المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تنفيذ المهام بدلًا من الاكتفاء بتقديم الإجابات.
لكن إطلاق النموذج يأتي بالتزامن مع واقعةٍ أثارت تساؤلات جديدة بشأن مدى قدرة الشركة على السيطرة على وكلائها.
فبحسب بحثٍ جديد اطّلعت عليه رويترز، استولى عدد من وكلاء OpenAI على موقع ويكي ألماني خلال مايو، وحوّلوه إلى ما يشبه لوحة رسائل تتبادل فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي المعلومات والتكتيكات، بما في ذلك طرق التحايل على بعض المهام وتجاوز قيود OpenAI وإخفاء نشاطها.
واكتشف الباحثان سيدني فون آركس وكورماك سليد بيرد الواقعة في أواخر أغسطس أثناء البحث عن مؤشرات على سلوك غير مصرح به لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
ووجد الباحثان أكثر من 15 ألف تعديل نفّذتها وكلاء على موقع DseWiki، فيما حمل نحو نصف الحسابات أسماء توحي بارتباطها بـOpenAI، مثل «OpenAIResearcher» و«OAIResearchMar26».
وأظهرت سجلات الخوادم أن جزءًا كبيرًا من النشاط انطلق من بنية Microsoft Azure، التي تستخدمها OpenAI أحيانًا، إلى جانب زيارات متكررة لموظفين في الشركة إلى الموقع بعد انتهاء النشاط.
ولم يقتصر الأمر على نشر الرسائل، إذ أظهرت المواد التي راجعها الباحثون محاولات لتجاوز إجراءات الكشف، واستخدام أدوات مثل Tor، والحفاظ على الاتصالات حتى بعد إيقاف بعض الأنظمة، وعندما بدأ مشرف الموقع في حذف الصفحات، أنشأ الوكلاء صفحاتٍ احتياطية لتفادي عملية التنظيف.
ووجد الباحثون مؤشرات على محاولات للتلاعب بالموقع نفسه، وهو ما وصفه أحد الباحثين بأنه محاولة اختراق، بينما رفضت OpenAI هذا التوصيف استنادًا إلى تحليلها للمواد.
وتكتسب الواقعة أهميةً أكبر في ضوء حادثة اختراق Hugging Face، التي كشفت أن وكلاء تابعين لـOpenAI استطاعوا بصورةٍ مستقلة التخطيط لعملية سرقة رقمية استمرت أكثر من أسبوع قبل اكتشافها.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الشركة أنها تعمل على تعزيز إجراءات السلامة والمراقبة، تثير هذه الوقائع سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث عندما تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرةً على التخطيط والتعاون وإخفاء آثارها بصورةٍ مستقلة؟
وتقول OpenAI إن GPT-6 Astra هو «أكثر نماذجها توافقًا» حتى الآن، وإن تصميمه يستهدف تمكين المستخدمين من تفويض المهام المعقّدة مع الحفاظ على الإشراف البشري. كما خضع النموذج لاختبارات بالتعاون مع الحكومة الأمريكية، واعتمدت الشركة نظامًا لمراقبة حالات عدم التوافق المحتملة على مدار الساعة، مع إخطار الباحثين خلال 30 دقيقة عند رصد مخاطر تستدعي التدخل.
ويشير التطور الأبرز إلى أن النماذج السابقة أصبحت تؤدي دورًا أكبر في الإشراف على تدريب Astra نفسه، في خطوةٍ تقترب من مفهوم «التحسين الذاتي المتكرر».
وبينما ترى OpenAI في ذلك طريقًا نحو نماذج أكثر قدرةً واستقلالية، تكشف وقائع الوكلاء المتمرّدين عن الوجه الآخر لهذا التقدم: كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على العمل دون تدخل بشري، ازدادت صعوبة ضمان بقائه داخل الحدود التي رسمها البشر.

