تعرّض عدد من عملاء البنوك في مصر لعمليات نصب واحتيال إلكتروني متطورة، أدت إلى خسارة مبالغ مالية ضخمة تمثل بالنسبة لهم “شقى العمر”، حيث تعتمد عمليات الاحتيال بشكل أساسي على استغلال الإعلانات الوهمية، في ظل ما يصفه المتضررون ببطء الاستجابة والقصور في أنظمة الحماية وإدارة المخاطر داخل بعض المؤسسات البنكية الكبرى.
كارثة بنك المشرق
وتعرض أحد عملاء بنك المشرق لعملية احتيال كبرى أسفرت عن سحب مبلغ ضخم يقدر بـ500 ألف جنيه مصري من حسابه البنكي، حيث بدأت تفاصيل الأزمة عندما استجاب العميل بحسن نية لإعلان وهمي يروج للحصول على “ساعة ذكية”، ليجد نفسه ضحية فخ إلكتروني محكم أدى إلى تفريغ حسابه.
بمجرد إدراك العميل للكارثة، تحرك على الفور في مسارين متوازيين: المسار القانوني حيث حرر محضرًا رسميًا في أقسام الشرطة ومباحث الإنترنت لتوثيق الواقعة بكل تفاصيلها، والمسار الآخر وهو البنكي حيث تواصل بشكل عاجل مع بنك المشرق للإبلاغ عن السرقة ومحاولة إيقاف نزيف الأموال.
لكن جاءت استجابة خدمة العملاء في البنك محبطة وصادمة له، حيث كان الرد النصي: “إدارة المخاطر هتتواصل معاكم في خلال يومين”، ما أثار استياءً بالغًا، ودفع العميل للتساؤل عن الجدوى الحقيقية لوجود إدارة متخصصة تُدعى “إدارة مكافحة النصب والاحتيال” إذا لم تكن قادرة على التدخل الفوري لتتبع مسار الأموال المنهوبة ومخاطبة البنوك المستقبلة لتجميد المبالغ قبل تبديدها.
وأمام هذه السلبية، صعّد العميل الأمر رسميًا وأبلغ البنك المركزي المصري بالواقعة، مؤكدًا تمسكه الكامل باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
واقعة البنك التجاري الدولي CIB
ولم تقتصر هذه الحوادث على بنك واحد، بل امتدت لتشمل عملاء البنك التجاري الدولي CIB، حيث تكرر سيناريو مشابه يكشف عن ثغرات خطيرة في بروتوكولات التعامل مع الطوارئ، حيث بدأت الواقعة في عندما تلقى العميل رسالة عبر تطبيق “واتساب” تحتوي على رابط خبيث.
وبمجرد ضغط العميل على الرابط بحسن نية، توالت الكوارث، إذ في غضون ثوانٍ، تلقى العميل رسالة تفيد بتحويل مبلغ مالي كبير من حسابه إلى جهة غير معلومة.
وسارع العميل بالاتصال بخدمة العملاء، مؤكدًا أنه لم يقم بهذه التحويلات، وطالب بالإيقاف الفوري للحساب.
وأكدت له الموظفة أنها قامت بالفعل بإيقاف البطاقة “الفيزا” والحساب وكل شيء مرتبط به، وتم منحه رقم الشكوى.
لكنّ وأثناء إجراء المكالمة ذاتها مع خدمة العملاء، تلقى العميل رسالة أخرى تفيد بتحويل مبلغ ضخم يعادل 4 أضعاف المبلغ الأول، وتم تحويله هذه المرة إلى حساب محفظة “أورانج”.
وتوجه العميل فورًا إلى قسم الشرطة وحرر محضرًا بالواقعة، وفي صباح اليوم التالي، توجه إلى فرع البنك ليكتشف المفاجأة؛ فالحساب البنكي لا يزال يعمل ولم يتم إيقافه كما زعمت موظفة خدمة العملاء، التي اكتفت بإيقاف البطاقة فقط وتركت الحساب الرئيسي مفتوحًا للسرقة رغم علمها بوقوع عملية احتيال لحظية.
كيف تعمل شبكات الاحتيال؟
وتعتمد هذه العصابات على أساليب تكنولوجية وتصميمات احترافية لخداع العملاء، وتتجلى هذه الأساليب بوضوح في الصور والرسائل المتداولة وفي مقدمتها إعلانات مغرية ومزيفة؛ حيث يتم إرسال تصميمات مبهرة تحمل شعار البنك التجاري الدولي، وتروج لعرض وهمي يقول: “ساعة ذكية.. وبنكك معاك في كل لحظة! احصل عليها مجانًا الآن حصرياً لعملاء CIB”.
وإلى جانب الإعلانات يعمل المحتال، على إرسال رسالة تتضمن روابط مشبوهة، تبدو للوهلة الأولى رسمية، ولكن بقراءة دقيقة يظهر فيها تلاعب في الحروف، والذي يحتوي على أخطاء إملائية مقصودة وتطبيقات استضافة خارجية لا علاقة لها بالبنك.
وتدعي هذه الرسائل توفير “تحكم كامل في حسابك”، و”معاملات أسرع وأكثر أمان”، كطعم لدفع العميل لتسجيل بياناته واختراق جهازه.
استجابة البنوك
وتعتمد البنوك بشكل أساسي على سلاح “التوعية”، إلا أن العملاء المتضررين يرون أن هذا التوجه غير كافٍ إذا لم يقترن بحماية تقنية صارمة.
وتتخذ البنوك عدة مسارات تحذيرية منها التحذير عبر منصات التواصل؛ حيث نشر البنك التجاري الدولي عبر صفحته الرسمية تنويهًا جاء فيه: “بنك الـ CIB مش بيكسّب ساعات، وحابين نأكد إن مالناش أي علاقة بأي إعلانات بتروج لهدايا زي ساعات، هدايا نقدية أو هدايا أخرى”.
وأرفق البنك صورة تعبيرية لساعة ذكية معلقة في “سنارة صيد” للإشارة إلى مصطلح الاصطياد الإلكتروني، كما أكد البنك أنه لا يطلب تحديث البيانات عبر الهاتف أو الواتساب، داعيًا العملاء لعدم مشاركة بياناتهم البنكية مع أي شخص.
ورغم هذه التحذيرات، فإن حجم الظاهرة في تزايد، وقد سبق أن تناول الإعلامي “شريف عامر” في برنامجه التلفزيوني حالة مشابهة لمواطن تعرض للنصب وسُرِق من حسابه حوالي 300 ألف جنيه، مما يؤكد أن القضية أصبحت ظاهرة عامة تتطلب تدخلًا على مستويات عليا.