شهدت السنوات الثلاث الماضية تحولًا استراتيجيًا عميقًا في العقيدة التقنية للدولة المصرية، تجسد في مساعٍ حثيثة لتأسيس “العقل الإلكتروني” الأول للبلاد، في خطوة تهدف إلى رقمنة مؤسسات الدولة وحماية سيادتها الرقمية بعيدًا عن اختراقات الخارج.
وتوجت هذه الرؤية مؤخرًا بتدشين مقر القيادة الاستراتيجية “الأوكتاجون”، والذي لم يُصمم ليكون مجرد صرح عسكري تقليدي، بل بنيةً تحتيةً تكنولوجيةً متكاملة تعتمد على شبكات مغلقة، وخدمات رقمية مشفرة، وأنظمة أمن سيبراني بالغة التعقيد.
وهذا التوجه نحو استضافة البيانات الحساسة وتأمينها محليًا لم يقتصر تأثيره على الداخل المصري، بل لفت أنظار القوى التكنولوجية العظمى، محولًا القاهرة إلى ساحة معركة جيوسياسية محتدمة بين الولايات المتحدة والصين لاحتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتحديد هوية الحليف الذي سيحوز مفاتيح هذه السيادة الرقمية الناشئة.
عرض “هواوي”
وكشف تقرير نشرته وكالة “بلومبرج” للأنباء عن تحرك صيني حيث قدمت شركة “هواوي تكنولوجيز” عرضًا فنيًا وتجاريًا متكاملًا لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة المصرية.
ووفقًا لوثائق مسربة حصلت عليها “بلومبرج”، اقترحت الشركة الصينية -التي تُعد اليوم المنافس الأشرس لعملاق الرقائق الأمريكي “إنفيديا”- تصدير 1408 رقائق من طرازها الأحدث والأكثر تطورًا “أسيند 950” لإنشاء سحابة تدريب مركزية للذكاء الاصطناعي، مدعومةً بـ600 شريحة إضافية من الطراز ذاته أو طراز “910 بي” الأقدم، لتشغيل مجموعتين استدلاليتين تتوليان إدارة النماذج بعد اكتمال تدريبها، وذلك ضمن جدول زمني تنفيذي مضغوط لا يتجاوز 12 شهرًا.
وتتجاوز أهمية هذا العرض مجرد كونه صفقةً تجاريةً؛ فإتمامه سيمثل انتصارًا لبكين في حملتها لكسر الاحتكار الأمريكي للبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.
وسيسجل أول عملية تصدير فعلية لمسرعات “أسيند” الفائقة بعد محاولات تصديرية تعثرت لأكثر من عام بسبب تعقيدات سلاسل التوريد.
ولم يكتفِ العرض بالعتاد الصلب، بل تضمن -وفقًا لعرض تقديمي مكون من 102 صفحة- شراكةً استراتيجيةً مع عملاق المراقبة الصيني “آي فلاي تك iFlytek” المدرج مع “هواوي” على القوائم السوداء الأمريكية منذ عام 2019.
وتوفر هذه الشراكة أنظمة بالغة الدقة تتيح رؤيةً بانوراميةً شاملةً للمدن عبر شاشة واحدة، مدعومةً بتقنيات التعرف على المركبات والأفراد استنادًا إلى قواعد البيانات الوطنية، بل إن إحدى شرائح العرض تضمنت صراحةً شعار وزارة الأمن العام الصينية في أمثلة تطبيقات الفيديو الأساسية.
الاستنفار في واشنطن
لم تمر تحركات التنين الصيني مرور الكرام في أروقة صنع القرار الأمريكي؛ فبمجرد وصول تفاصيل العطاء الصيني إلى علم إدارة الرئيس دونالد ترامب، سارعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى إعلان حالة استنفار تكنولوجي، متواصلةً بشكل عاجل مع أقطاب وادي السيليكون، وعلى رأسهم “إنفيديا” و”مايكروسوفت” و”أدفانسد مايكرو ديفايسز” لبحث تشكيل تحالف تكنولوجي أمريكي قادر على تقديم عرض بديل يفوق العرض الصيني كفاءةً، ويسد الطريق أمام توغل بكين في ثاني أكبر اقتصاد إفريقي.
وتاريخيًا، لم تضع شركات البنية التحتية الأمريكية مصر على رأس أولوياتها التجارية، ولم تكن القاهرة محورًا رئيسيًا لدبلوماسية الذكاء الاصطناعي الأمريكية التي ركزت استثماراتها الضخمة في دول الخليج؛ إلا أن التدخل الصيني أجبر واشنطن على تغيير حساباتها جذريًا.
وتستخدم الإدارة الأمريكية حاليًا سياسةً مزدوجةً تجمع بين الترغيب والترهيب؛ فمن جهة، تلوّح واشنطن بسلاح العقوبات والقيود التصديرية، محذرةً دول العالم من التبعات القانونية لاستخدام مسرعات “هواوي” دون موافقة فيدرالية، وهي الاستراتيجية التي نجحت سابقًا في إجبار ماليزيا على الانسحاب من مشروع مشابه بعد ضغوط من البيت الأبيض.
ومن جهة أخرى، تعكف الإدارة الأمريكية على تفعيل برنامج ترويجي يهدف إلى تقديم حلول ذكاء اصطناعي شاملة بتمويل حكومي لدول “الجنوب العالمي”، لتوفير بديل مالي مقنع للخيارات الصينية الرخيصة، رغم أن هذا البرنامج لم يثمر عن صفقات فعلية حتى الآن، بما في ذلك مركز البيانات الأمريكي المتعثر في كينيا، والذي كان يُعد واجهةً لدبلوماسية بايدن السابقة في إفريقيا.
الملاذ السيبراني
تتداخل هذه الديناميكيات التكنولوجية مع مشهد جيوسياسي وإقليمي بالغ التعقيد؛ فدول الخليج، وتحديدًا الإمارات والسعودية، حسمت خياراتها مبكرًا بالتوجه نحو الاعتماد على التقنية الأمريكية المتقدمة، وضخ استثمارات مليارية في شراكات مع كيانات مثل “مايكروسوفت” و”إنفيديا”، سعيًا لتجنب الصدام مع واشنطن ولضمان الوصول إلى أحدث المعالجات التي تقيد الولايات المتحدة تصديرها.
ويضع هذا الاصطفاف الخليجي القاهرة أمام معضلة حقيقية: هل تختار التوافق مع التوجه الخليجي-الأمريكي لضمان استمرار تدفق الاستثمارات الغربية والإقليمية، وتجنب أي تعقيدات تقنية سياسية قد تعرقل طموحاتها الاستراتيجية الهادفة لرفع مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030؟ أم تميل نحو تعميق التحالف الرقمي مع المعسكر الشرقي الذي يقدم حلولًا جاهزةً، وأرخص ثمنًا.
وما يزيد من تعقيد المشهد وخطورته هو الجانب الأمني؛ فمنطقة الشرق الأوسط تشهد حربًا سيبرانيةً خفيةً ولكنها شرسة، وقد كشفت الهجمات الإلكترونية العنيفة التي استهدفت مؤخرًا البنية التحتية الحيوية في دول مثل البحرين وعُمان -والتي أشارت تقارير استخباراتية إلى تورط إيران فيها- عن هشاشة مقلقة في الأمن السيبراني الإقليمي.
ووسط هذا الاضطراب، تقدم مصر نفسها، عبر بنيتها التحتية الناشئة ومقراتها المحصنة مثل “الأوكتاجون”، كبديل إقليمي آمن وموثوق، وملاذ سيبراني قادر على استضافة وحماية البيانات بعيدًا عن مناطق التماس المباشرة.
ويجعل هذا التموضع الجيواستراتيجي مسألة اختيار المُورِّد التكنولوجي لبنية الذكاء الاصطناعي المصرية قضية أمن قومي بامتياز، تتجاوز حدود العوائد الاقتصادية لتلامس جوهر بقاء الدولة في الفضاء الرقمي.
وفي ظل هذا الشد والجذب، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة -وهي الأولى له منذ أكثر من عقد- أبعادًا استثنائيةً؛ فبينما تقف الدبلوماسية الأمريكية على أهبة الاستعداد لتقديم عروضها وتحذيراتها المشروطة بآليات التراخيص الصارمة المطبقة منذ عام 2023، تسعى القيادة الصينية لاستغلال هذه القمة التاريخية لترسيخ نفوذها التكنولوجي وتوقيع اتفاقيات محورية قد تحسم وجهة “العقل الإلكتروني” المصري.

