قيدت “أنثروبيك” إصدار أحدث نماذجها، الذي أطلقت عليه اسم “ميثوس”، بدعوى قدرته الفائقة على اكتشاف الثغرات الأمنية في البرمجيات التي يعتمد عليها المستخدمون حول العالم، ولم تطرحه للجمهور بل قررت مشاركته فقط مع مجموعة مختارة من الشركات الكبرى والمؤسسات التي تدير البنى التحتية الحيوية عبر الإنترنت، بدءًا من “أمازون لخدمات الويب” وصولًا إلى “جي بي مورغان تشيس”.
أوبن إيه آي تسير على خطى أنثروبيك في “ميثوس”
وتشير التقارير –التي نقلها “تِك كرانش” إلى أن شركة “أوبن أيه آي” تدرس خطة مماثلة لأداة الأمن السيبراني المقبلة الخاصة بها، حيث تكمن الفكرة الظاهرية في السماح لهذه المؤسسات الكبرى بالتقدم بخطوة على الأطراف المغرضة التي قد تستغل نماذج اللغات الكبيرة المتقدمة لاختراق البرمجيات المؤمنة.
وتؤكد “أنثروبيك” قدرة “ميثوس” على استغلال الثغرات بشكل أكبر بكثير من نموذجها السابق “أوبوس”، لكن ليس من الواضح ما إذا كان “ميثوس” يمثل بالفعل الكلمة الأخيرة في نماذج الأمن السيبراني.
وذكرت شركة “آيل”، وهي شركة ناشئة في مجال الأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي، أنها تمكنت من إعادة تكرار الكثير مما تزعم “أنثروبيك” أن “ميثوس” حققه باستخدام نماذج أصغر ذات أوزان مفتوحة.
وقد أشار ديفيد كروشو، مهندس البرمجيات والرئيس التنفيذي لشركة “إيكزي دوت ديف” الناشئة، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن هذا التوجه يمثل غطاءً تسويقيًا لحقيقة أن النماذج عالية الجودة أصبحت الآن محصورة باتفاقيات المؤسسات ولم تعد متاحة للمختبرات الصغيرة لتقطيرها.
وأضاف كروشو أنه بحلول الوقت الذي نتمكن فيه نحن وأنتم من استخدام “ميثوس”، سيكون هناك إصدار جديد متصدر مخصص للمؤسسات فقط، وهذا المسار يساعد في استمرار تدفق دولارات المؤسسات، التي تمثل الجزء الأكبر من الأرباح، من خلال حصر شركات التقطير في المرتبة الثانية.
ويتوافق هذا التحليل مع ما يسود بيئة الذكاء الاصطناعي حاليًا؛ سباق بين المختبرات التي تطور أضخم النماذج وأكثرها قدرة، وشركات مثل “آيل” التي تعتمد على نماذج متعددة وترى في نماذج اللغات الكبيرة مفتوحة المصدر، التي غالبًا ما تأتي من الصين ويُزعم أنها طُورت عبر “التقطير”، طريقًا لتحقيق ميزة اقتصادية.
وكشفت “أنثروبيك” علنًا عما وصفته بمحاولات شركات صينية لنسخ نماذجها؛ فقد تعاونت مع جوجل و”أوبن أيه آي” لتحديد القائمين على عمليات التقطير وحظرهم.
ويمثل التقطير تهديدًا لنموذج أعمال المختبرات لأنه يلغي المزايا الناتجة عن استخدام كميات هائلة من رأس المال للتوسع؛ لذا، فإن منع التقطير يعد مسعىً يستحق العناء بالنسبة لهم، لكن نهج الإصدار الانتقائي يمنح هذه المختبرات أيضًا وسيلة لتمييز عروضها الموجهة للمؤسسات.
قطاع البنوك الأمريكي ينتفض ضد “أنثروبيك”
وفي سياق آخر؛ استدعى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول قادة وول ستريت إلى اجتماع عاجل، على خلفية مخاوف متزايدة من أن النموذج الأحدث للذكاء الاصطناعي من شركة “أنثروبيك” قد يفتح الباب أمام حقبة جديدة من المخاطر السيبرانية المتطورة.
وجمع بيسنت وباول المسؤولين في مقر وزارة الخزانة في واشنطن للتأكد من أن البنوك على دراية كاملة بالمخاطر المستقبلية المحتملة المرتبطة بنموذج “ميثوس” من “أنثروبيك” والنماذج المماثلة، مع التأكيد على ضرورة اتخاذ احتياطات صارمة لحماية أنظمتها، وذلك وفقًا لأشخاص مطلعين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظرًا لخصوصية المناقشات، في حين لم يصدر تعليق فوري من وزارة الخزانة أو الاحتياطي الفيدرالي حول تفاصيل الاجتماع، وفقًا لـ”بلومبرج”.
ويُعد هذا الاجتماع، الذي لم يُكشف عنه سابقًا وتم ترتيبه على عجل، مؤشرًا جديدًا على أن الجهات التنظيمية ترى في احتمال ظهور جيل جديد من الهجمات السيبرانية أحد أكبر المخاطر التي تواجه القطاع المالي العالمي، خاصة وأن جميع البنوك التي استُدعيت للاجتماع تُصنف على أنها ذات أهمية نظامية، ما يجعل استقرارها أولوية قصوى.
ويُعتبر نموذج “ميثوس” نظامًا أكثر قوة وتطورًا، إذ أوضحت شركة “أنثروبيك” أنه قادر على تحديد الثغرات الأمنية في جميع أنظمة التشغيل والمتصفحات الرئيسية ثم استغلالها بشكل فعال عند توجيهه من قبل المستخدم للقيام بذلك، ما يثير قلقًا بالغًا لدى الدوائر الرسمية والرقابية.
وتعكس تحركات الجهات التنظيمية بشأن قوة النموذج في أيدي القراصنة الحذر الذي أبدته شركة “أنثروبيك” نفسها، حيث عمدت الشركة إلى تقييد إطلاق النموذج في البداية لعدد محدود من شركات التكنولوجيا والتمويل الكبرى، شملت “أمازون” و”أبل” إلى جانب “جيه بي مورغان”.
وتأتي هذه الخطوة كجزء من مشروع يُعرف باسم “غلاس وينغ” يهدف إلى تأمين الأنظمة الأكثر أهمية وحساسية قبل إتاحة نماذج مشابهة على نطاق أوسع للجمهور.
وأكدت “أنثروبيك” أنها كانت على تواصل مستمر مع مسؤولين أمريكيين قبل الإطلاق الأخير لمناقشة قدرات “ميثوس” الهجومية والدفاعية في المجال السيبراني.
وقد شملت قائمة الرؤساء التنفيذيين الذين استُدعوا للاجتماع تحت ضغط تنظيمي مباشر كلاً من جين فريزر من “سيتي غروب”، وتيد بيك من “مورغان ستانلي”، وبراين موينيهان من “بنك أوف أمريكا”، وتشارلي شارف من “ويلز فارغو”، بالإضافة إلى ديفيد سولومون من “غولدمان ساكس”، بينما تعذر حضور جيمي ديمون من “جيه بي مورغان” للاجتماع.
ويبرز هذا الحراك في وقت تواجه فيه الشركة نزاعًا قانونيًا منفصلًا مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بعدما صنّف البنتاجون الشركة على أنها تمثل خطرًا على سلسلة التوريد، وهو تصنيف تعارضه الشركة بشدة، وقد رفضت محكمة استئناف فدرالية مؤخرًا طلب الشركة تعليق هذا التصنيف في الوقت الراهن.