أبرمت شركة “أوبن إيه آي” اتفاقًا رسميًا يقضي بنشر نماذج ذكائها الاصطناعي المتطورة ضمن البيئات الأمنية المصنفة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية، وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تدهور حاد في علاقة منافستها “أنثروبيك” مع البنتاجون نتيجة خلافات جوهرية حول قضايا المراقبة وتطوير أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، بحسب بلومبرج.
ويرى البعض، بحسب تقارير وآراء منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، أنّه بينما تظل الأدوار الدقيقة التي ستلعبها صفقة “أوبن إيه آي” مع البنتاجون في مسار المواجهات الميدانية طي الكتمان، إلا أنهم لا يستبعدون استخدامها في الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران.
ويشير بعض المراقبين إلى أنّ التطور التكنولوجي قد يدفع صناع القرار إلى مغامرة عسكرية كبرى؛ إذ إن الرغبة في اختبار فاعلية الذكاء الاصطناعي في ميادين القتال الحقيقية تشكل حافزًا لتجاوز الخطوط الحمراء، طمعًا في تحقيق “حسم عسكري” لم يكن ممكنًا بتقنيات الحروب التقليدية السابقة.
سام ألتمان: تعاون أوبن إيه آي والبنتاجون لن يتم استخدامه في الحروب
وصرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، بأن هذا التوافق مع الوزارة يعكس التزام الشركة بمبادئها التي تمنع استخدام تقنياتها في المراقبة الجماعية المحلية، وتشدد على ضرورة تحمل البشر مسؤولية استخدام القوة، بما يضمن عدم تفويض تلك الصلاحيات لأنظمة أسلحة مستقلة تمامًا.
وأكد ألتمان عبر منصة “إكس” أن شركته وضعت حزمة من الضمانات الصارمة للتأكد من انضباط سلوك نماذجها خلال عملية النشر العسكري، في حين التزمت الشركة الصمت حيال ما إذا كانت خدماتها ستمثل بديلًا مباشرًا للمهام التي كانت تضطلع بها “أنثروبيك” سابقًا، وسط غياب تعليق فوري من وزارة الدفاع.
ضربة قوية لـ”أنثروبيك”
وقبل هذا الإعلان بوقت قصير، كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد وجهت ضربة قوية لشركة “أنثروبيك” بتصنيفها كـ”خطر على سلسلة التوريد”، وهو قرار يهدد مستقبل أعمال الشركة بشكل كبير، ويعكس عمق الفجوة بينها وبين المسؤولين العسكريين حول حماية التقنيات والضمانات المرتبطة بها.
وحدد وزير الدفاع بيت هيغسيث مهلة ستة أشهر للشركة لنقل خدماتها إلى مزود بديل، مؤكدًا بلهجة حاسمة أن الجنود الأمريكيين لن يظلوا عرضة لـ”الأهواء الأيديولوجية” لشركات التكنولوجيا الكبرى، واصفًا قراره بالنهائي.
وجاء موقف هيغسيث متناغمًا مع توجيهات أصدرها الرئيس دونالد ترامب للوكالات الفيدرالية بوقف التعامل مع منتجات “أنثروبيك”، مما زاد من حدة التوتر بين الإدارة الأمريكية والشركة الناشئة.
أنثروبيك تصمد
وأبدت “أنثروبيك” صمودًا أمام هذه الضغوط، مؤكدة أن موقفها الرافض للمراقبة الجماعية المحلية والأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل لن يتغير مهما بلغت شدة “الترهيب أو العقوبات” الصادرة عن وزارة الحرب، حسب وصفها.
وكشفت مصادر مطلعة أن البنتاجون حاول في وقت سابق من الأسبوع تقديم عروض تضمنت صياغات اقترحتها الشركة، إلا أن “أنثروبيك” رأت أن تلك البنود تفتقر للضمانات الكافية التي تمنع الوزارة من تجاوز القيود المفروضة عند الضرورة.
وعزز هذا الصدام الانقسام بين إدارة ترامب والشركة التي تحظى بدعم واسع في وادي السيليكون، حيث تضامن معها العديد من العاملين في القطاع، مطالبين شركات كبرى مثل “أمازون” و”مايكروسوفت” بتبني معايير مشابهة لتلك التي تتمسك بها “أنثروبيك”.
وفي خضم هذا المشهد، دعا سام ألتمان وزارة الدفاع لتطبيق ذات الشروط التي قبلت بها شركته على كافة شركات الذكاء الاصطناعي، معتبرًا إياها معايير يجب على الجميع الاستعداد للالتزام بها.
الخلاف بين ألتمان وأمودي
وتجدر الإشارة إلى أن الخلاف بين ألتمان وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ”أنثروبيك”، له جذور تاريخية؛ إذ غادر أمودي “أوبن إيه آي” في عام 2020 بسبب هواجس تتعلق بتقديم الشركة للاعتبارات التجارية والسرعة على حساب السلامة.
وشهدت مسيرة “أوبن إيه آي” تحولات جذرية، فبعد أن بدأت كمؤسسة غير ربحية تحظر التطبيقات العسكرية، تحولت إلى كيان ربحي وعدلت سياساتها في 2024 لتسمح بالاستخدامات العسكرية، بل وأسقطت كلمة “بأمان” من بيان مهمتها الذي بات يركز الآن على ضمان أن الذكاء الاصطناعي العام يفيد البشرية جمعاء.
وعلى الصعيد المالي، يتسابق الطرفان نحو تحقيق الربحية والتحضير للطرح العام الأولي لجذب المستثمرين؛ حيث أعلنت “أوبن إيه آي” مؤخرًا عن جمع 110 مليارات دولار في جولة تمويلية ضخمة رفعت قيمتها السوقية إلى 730 مليار دولار، بهدف تعزيز قدراتها الحوسبية واستقطاب المواهب.
ونجحت “أنثروبيك” في جمع 30 مليار دولار خلال الشهر الجاري من مستثمرين يشتركون جزئيًا مع منافستها.
وقد انعكست هذه الخلافات المهنية والمالية على العلاقة الشخصية بين أمودي وألتمان، والتي ظهر توترها علنًا في قمة نيودلهي الأخيرة، حيث لفت انتباه الحضور برود التعامل بينهما وعدم تشابك أيديهما خلال الصورة الجماعية مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، بخلاف بقية المشاركين.