تقرير: مصطفى سيف
تشير التقارير الاقتصادية العالمية لعام 2026 إلى أن سوق خدمات الجنائز وما يُعرف بقطاع “تكنولوجيا الموت Death Tech” قد تجاوز حاجز 150 مليار دولار عالميًا، وسط توقعات بنمو مستمر يتخطى الـ 200 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة.
ولا يعد هذا النمو مدفوعًا بالزيادة السكانية الطبيعية فحسب، بل بالتحول الرقمي الضخم واستثمارات رأس المال الجريء التي ضخت مئات الملايين من الدولارات في شركات ناشئة أعادت هندسة هذه الصناعة التقليدية.
ووفقًا لموقع “ديب ماركت إنسايت”؛ فإنَّ منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تستحوذ على حصة سوقية تبلغ 6% نحو 8 مليارات دولار في 2025؛ إلا أنها تتمتع بإمكانات نمو عالية؛ حيث تشهد دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما الإمارات والسعودية، نموًا متزايدًا في عمليات إعادة الجثامين إلى أوطانها، فضلًا عن الخدمات الموجهة للمغتربين؛ أمّا في أفريقيا، فتُعدّ جنوب أفريقيا ونيجيريا من الأسواق الرائدة، حيث يدفع النمو السكاني المتزايد في المدن والاستثمارات في البنية التحتية إلى تحديث ممارسات الجنائز.
وفي مصر، فرغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة لحجم هذا السوق نظرًا لطبيعته غير المنظمة تاريخيًا، إلا أن دخول شركات التكنولوجيا الناشئة، مثل “سكنى Sokna ” التي نجحت في جذب تمويلات مؤسسية وتوسيع نطاق أعمالها لخدمة آلاف الحالات، يشير إلى أن السوق المحلي بدأ رسميًا في دخول مرحلة الرقمنة والأسعار المبرمجة والمنظمة؛ فلم يعد الموت مجرد طقس اجتماعي كلاسيكي، بل قطاعًا اقتصاديًا وخدميًا يعاد صياغته بالكامل بواسطة التكنولوجيا.
مهنة الحانوتي تقنيًا
في وجدان السينما والشارع المصري، ارتبطت مهنة “الحانوتي” بشخصية كلاسيكية؛ رجل بجلباب داكن، يحمل دفترًا كبيرًا، يعرف كل عائلات الحي، ويتحرك بوقار وهدوء لترتيب الدفن؛ إذ كان الحانوتي جزءًا من النسيج الاجتماعي للمنطقة، يُطلب بالاسم في الأوقات العصيبة.
لكن مع اتساع رقعة القاهرة والمدن الكبرى، وظهور المجتمعات السكنية الجديدة “الكمبوندز والمدن الجديدة”، تفتت هذا النسيج الاجتماعي؛ فلم يعد هناك “حانوتي” الذي يعرف الجميع؛ وهو ما يفسّر لماذا أهل المتوفى في المدن الجديدة يواجهون معضلة حقيقية أين أقرب مكتب؟ كيف نصل للمقابر البعيدة؟ ومن يدير الإجراءات في مدينة غريبة لا نعرف تفاصيلها الإدارية؟ هذا التباعد الجغرافي والاجتماعي خلق فجوة ضخمة كانت بحاجة إلى حل ينظمها.
لذا وُلدت فكرة إدخال التكنولوجيا إلى قطاع الجنائز في مصر؛ وأبرز مثال على هذا التحول هي شركة “سكنى Sokna” والتي تعد من أوائل الشركات الناشئة في مصر والمنطقة التي قررت رقمنة وتنظيم هذه العملية بالكامل؛ فمن خلال تطبيق أو اتصال هاتفي، تتولى الشركة كل شيء: استخراج تصاريح الدفن، تجهيز المتوفى (الغسل)، توفير سيارات النقل الحديثة، حجز المقابر، وتنظيم قاعات العزاء.
وفي البداية، قوبلت الفكرة بنوع من التشكك، واعتبرها البعض رفاهية تناسب فقط “سكان الكمبوندز” أو مجتمعات “إيجيبت” المعزولة، مستبعدين أن يتقبل الشارع المصري التقليدي دخول الـStartups في لحظات الموت.
لكن بمرور الوقت، أثبت الواقع عكس ذلك؛ فالنظرة تحولت تمامًا عندما أدرك الناس أن الخدمة لا تلغي الطقوس الدينية أو الإنسانية، بل تحمي الأهل من عشوائية السوق التقليدي والمساومات المادية في وقت ضعفهم.
سكنى نموذج أثبت نجاحه
استطاعت شركة “سكنى” أن تثبت نفسها سريعًا من خلال شراكات مع النقابات والمؤسسات الكبرى وشركات العقارات، بل وطورت مفهوم العمل ليشمل شراكات مع الحكومة للحصول على قطع أراضي لبناء مقابر لإتاحتها لعملائها.
في لقاء صحفي سابق مع جريدة المال، أكد أحمد جاب الله، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، أن أهم أهداف المنصة منذ إطلاقها عام 2019 عقب 6 سنوات من الدراسة والبحث محليًا وعالميًا، هي تكريم المتوفى، ورفع العبء عن العائلة، وأشار إلى أن معدلات نمو الشركة سنويًا خلال 2025، بلغت %31 على صعيد حجم الأعمال، و%84 لإيرادات جنازات الأفراد، و%330 الشركات، و %100 نموا في متوسط قيمة الطلب على منتجات الشركة «السبح، كتيبات الأدعية، المصاحف».
لم تكتف الشركة بالعمل وفقًا للتشريعات المنظمة لعمليات الدفع الحالية، بل قامت – وفقًا لجاب الله – بعمل دراسة مقارنة لجميع القوانين في الدول صاحبة الاقتصادات المماثلة المنظمة لهذا الأمر بما فيها قانون الجبانات المصري 5 لسنة 1966، وكافة اللوائح التنفيذية المنظمة للأمر، والتحديات الواقعية للنشاط.
وأضاف أنه بناء على ذلك خلصت SOKNA إلى حزمة من المقترحات لتعديل القانون الحالي، أو وضع قانون جديد للجبانات أبرزها مشاركة القطاع الخاص في مجال بناء وإدارة المقابر، وقامت بتقديمها لمجموعة من الجهات الحكومية المنظمة للأمر، ولاقت قبولا، وتم الأخذ بها، ومن المتوقع أن يلي ذلك عرضها على البرلمان قريبا.
من أسرع القطاعات نموًا
ويعتبر قطاع الـDeath Tech، واحدًا من أسرع القطاعات نموًا في العالم، ففي بريطانيا وأوروبا، تبرز شركة Farewill التي أحدثت ثورة في كيفية كتابة الوصايا وتنظيم الجنائز إلكترونيًا وبأسعار ثابتة، مما وفر على العائلات آلاف الجنيهات الإسترلينية التي كانت تضيع في أتعاب المحامين التقليديين.
أمَّا في أمريكا، فتوجد شركات مثل Solace و Willing، واللتان تركزان على تبسيط خيارات الدفن وتوفير منصات رقمية تتيح للشخص التخطيط لجنازته ودفع تكلفتها مسبقًا لحماية عائلته من الأعباء المالية المستقبليلية.
التحديات وحجم السوق
وفقًا للدراسة المنشورة في موقع “ساينس دايركت” فإنَّ التقنيات الرقمية الناشئة في مجال الموت والاحتضار، من المتوقع أن تتجاوز 217 مليار دولار بحلول عام 2031 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 6.3%.
وتأتي هذه الطفرة بفضل صناديق رأس المال الجريء حول العالم التي ضخت مئات الملايين من الدولارات في شركات الـDeath Tech، فشركات مثل Farewill جمعت جولات تمويلية ضخمة، وحتى “سكنى” محليًا نجحت في إغلاق جولة تمويلية Seed Round بمليون دولار من مستثمرين محليين وإقليميين وعالميين مثل Mentors Fund وOnsi Sawiris لتوسيع نطاق خدماتها تقنيًا وجغرافيًا، وفقًا لموقع “بيتش بوك”.
وتحولت هذه الشركات إلى كيانات اقتصادية ذات وزن، حيث تظهر الأرقام أن قرابة 25% من المستهلكين عالميًا أصبحوا يفضلون ترتيب وتخطيط خدمات الجنائز والوصايا عبر الإنترنت لضمان الشفافية وتجنب صدمات الأسعار العشوائية.


