تشير رؤى خبراء الابتكار والتكنولوجيا إلى وجود تحولات عميقة وتدريجية تطرأ على السلوك الإنساني والثقافة الاجتماعية في المدن الحديثة، متأثرة باختراعات تافهة قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة.
اختراعات تافهة
ويحدد المختصون ثلاثة أدوات يومية هي: غلاف الهاتف المحمول، وميزة التمرير اللانهائي على الشبكات الاجتماعية، ونظام تقييم النجوم الخمسة، وفقًا لتقرير “فاينانشال تايمز”.
وأصبحت هذه الأدوات، رغم اندماجها الكامل في حياتنا، أصبحت محركًا أساسيًا لفقدان المسؤولية الفردية، وتراجع القدرة على التركيز، وضعف الحدس الشخصي في اتخاذ القرارات اليومية.
غلاف الهاتف المحمول
ويأتي غلاف الهاتف المحمول في مقدمة هذه الاختراعات التي غيرت علاقتنا بممتلكاتنا الشخصية؛ فرغم أن هذه الأغطية توفر حماية متقدمة للأجهزة، إلا أنها تعمل بشكل عكسي على تقليل انتباه الفرد ومسؤوليته تجاه ما يملك.
وتوضح الدراسات السلوكية أن استخدام الأغطية الواقية يعزز شعورًا زائفًا بالأمان لدى المستهلكين، مما يجعلهم أقل حذرًا وأكثر استهتارًا في التعامل مع أجهزتهم؛ إذ لا يتوقف هذا التراجع في الشعور بالمسؤولية الشخصية عند حدود الجمادات، بل يمتد ليشكل نمطًا سلوكيًا عامًا يؤثر على كيفية تحملنا لنتائج أفعالنا في سياقات أخرى.
التمرير اللانهائي
أمَّا الاختراع الثاني الذي أحدث ثورة في استهلاك المعلومات فهو “التمرير اللانهائي”، وهي الميزة التي طورها مهندسو واجهات المستخدم في عام 2006 لتجعل المحتوى الرقمي يتدفق بلا نهاية؛ لكنّها واجهت انتقادات حادة بسبب استنزافها للإرادة الفردية وتشتيتها للتركيز، حيث تمنع المستخدم من التوقف الطبيعي للتفكير أو الاستراحة.
وتظهر الملاحظات الميدانية في الأماكن العامة أن هذه التقنية أدت إلى “غياب ذهني” جماعي؛ فبينما يتواجد الأفراد جسديًا على مائدة الطعام، تظل عقولهم أسيرة التمرير المستمر، مما يضعف الروابط الاجتماعية المباشرة.
تقييم النجوم الخمسة
وفي سياق اتخاذ القرار، فرض نظام تقييم النجوم الخمسة نفسه كبديل للحدس البشري والتجربة المباشرة. لقد غير هذا النظام السلوك السياحي بشكل جذري، حيث بات الزوار يعتمدون على الخوارزميات والتقييمات الجاهزة لاختيار وجهاتهم ومطاعمهم بدلاً من الاكتشاف الشخصي.
ويحذر الخبراء من أن هذا الاعتماد المفرط يؤدي إلى “تجانس التجربة الإنسانية”، حيث تتقلص فرص الخطأ والابتكار التي تُعد أساسًا للتعلم البشري، مما يجعل المجتمعات أكثر تحفظًا وترددًا في خوض تجارب غير مضمونة النتائج.
وتعتبر المدن الأوروبية، نموذجًا لهذا المجتمع الذي أحلّ وسائل الحماية الافتراضية محل التجربة الواقعية؛ لذلك، يحث الخبراء على ضرورة استعادة المسؤولية الفردية والتحلي بالشجاعة لممارسة التجربة والخطأ.