المصرية للاتصالات Cairo ICT 2024
المصرية للاتصالات Cairo ICT 2024
إعلان إي فينانس

باب ذو اتجاه واحد.. التجارة العالمية تدخل نفق “الذكاء الاصطناعي الوكيل”

خطفت شركات التكنولوجيا العملاقة الأضواء في المعرض الكبير للتجزئة الذي أقيم في نيويورك يناير الجاري؛ فقد أقامت شركات مثل “جوجل” و”مايكروسوفت” و”سيلزفورس” أجنحة ضخمة تضاهي أحجام المنازل، بينما جابت شاحنات إعلانية الشوارع مروجة لرسالة واحدة: “روبوتات الدردشة وجدت لتنجز المهمة”.

ولم يكن هذا الإعلان الترويجي مجرد استعراض تقني، بل إعلان صريح عن دخول عصر “الذكاء الاصطناعي الوكيل” حيث تتعلم الروبوتات كيف تتسوق نيابة عن البشر.

ومع توقعات بأن تمثل المبيعات المدفوعة بمنصات الذكاء الاصطناعي نحو 1.5% من التجارة الإلكترونية الأمريكية خلال 2026، وفقًا لشركة الأبحاث “إي ماركيتر”، كان التأثير المستقبلي لهذه التكنولوجيا هو محور النقاشات.

وبعد سنوات من الاعتماد على الكلمات المفتاحية والمرشحات وقوائم البحث الطويلة، كما أشار سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، جاء الذكاء الاصطناعي ليقوم بالعمل الشاق، مقدمًا وعودًا بنقلة نوعية توازي في أهميتها ظهور التسوق عبر الإنترنت في التسعينيات أو الهواتف الذكية في العقد الأول من الألفية.

وتتمحور فكرة “التسوق بالوكالة” حول تحويل رغبات المستهلك المعقدة إلى أوامر تنفيذية؛ فبدلًا من البحث اليدوي، يمكن للمتسوق أن يطلب ببساطة: “اشترِ لي سترة مقاومة للماء بسعر أقل من 150 دولارًا، مقاس متوسط، لرحلة قارب في شلالات نياغرا في أوائل مارس”.

وهنا يقوم الوكيل الذكي بمسح الإنترنت، ومراجعة تقييمات المنتجات، والتحقق من حالة الطقس، ثم تقديم الخيارات وربما إتمام الشراء دون أن يغادر المستهلك منصة الدردشة.

لكن هذا التحول يثير معركة شرسة حول “مفاتيح القلعة”؛ فبينما تسعى شركات ناشئة مثل “أوبن إيه آي” و”بيربليكسيتي” لتكون واجهة التسوق الجديدة، تواجه مقاومة شرسة من عمالقة التجارة التقليدية الذين استثمروا المليارات لبناء أنظمتهم الخاصة.

وتبرز هنا استراتيجيات متباينة؛ فشركة “وول مارت”، عملاق التجزئة الأمريكي، اختارت تبني التكنولوجيا عبر شراكات مع جوجل و”أوبن إيه آي”، مطورة مساعدها الذكي “سباركي” لتقليل العبء الذهني عن المتسوقين، بحيث يمكنه التخطيط لحفلة عيد ميلاد كاملة واقتراح المنتجات المناسبة.

وفي المقابل، تتخذ “أمازون” موقفًا أكثر دفاعية وحذرًا؛ فالشركة التي قادت ثورة التجارة الإلكترونية، تقوم الآن بحظر العديد من روبوتات الدردشة التابعة لشركات ناشئة من الوصول لبياناتها، بل ورفعت دعوى قضائية ضد “بيربليكسيتي” متهمة إياها بانتهاك شروط الخدمة.

ورغم أن أمازون تطور مساعدها الخاص “روفوس” وتجري محادثات لاستثمار 10 مليارات دولار في “أوبن إيه آي”، إلا أنها تدرك أن السماح لوكلاء خارجيين بالدخول قد يهدد نموذج عملها القائم على جذب الزيارات المباشرة لموقعها.

ولا تقتصر المخاوف على فقدان السيطرة على بيانات العملاء فحسب، بل تمتد لتهديد إمبراطورية “وسائط التجزئة الإعلانية” وهي صناعة عالمية تقدر قيمتها بنحو 200 مليار دولار سنويًا.

وتعتمد هذه الصناعة على بيع مساحات إعلانية وظهور مميز للمنتجات أمام المتسوقين البشر؛ لكن بحسب “فاينانشال تايمز” فالسؤال الذي يؤرق القطاع هو: إذا استبدلنا العيون البشرية بعيون رقمية (روبوتات)، فمن سيشاهد الإعلانات؟ وهل ستتأثر قرارات الروبوتات بالدعاية؟

يرى المحللون أن قيمة هذه الإعلانات ستتآكل حتمًا إذا تراجعت الزيارات البشرية المباشرة للمتاجر الإلكترونية، وهو تحدٍ كبير لشركة مثل أمازون التي تستحوذ على حصة الأسد من هذا السوق.

وإلى جانب التحديات الاقتصادية، تبرز مخاوف أمنية وأخلاقية جدية؛ إذ يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن تسليم البيانات الشخصية والمالية لروبوتات التسوق قد يفتح الباب واسعًا للاحتيال، أو وقوع الوكلاء في فخ المواقع المستنسخة التي تسرق بيانات الدفع.

ويشير أكاديميون إلى احتمالية تحيز الخوارزميات، حيث قد يتوقع المستهلك توصية محايدة، ليحصل بدلًا من ذلك على إعلان غير معلن عنه مدفوع بأهداف بيعية خفية.

ورغم كل هذه الضجة التقنية، يظل لدى تجار التجزئة التقليديين “خندق دفاعي” قوي يتمثل في البنية التحتية اللوجستية؛ فالذكاء الاصطناعي قد يتخذ قرار الشراء، لكنه لا يستطيع نقل البضائع، وتمنح شبكات المخازن والشاحنات التي بنتها أمازون ووول مارت على مدى عقود أفضلية لا تملكها شركات التكنولوجيا البحتة.

وحتى الآن، لم تبدِ جوجل أو “أوبن إيه آي” رغبة في دخول معترك اللوجستيات المعقد، مكتفية بدور “الخاطبة” بين البائع والمشتري.

وختم تقرير “فاينانشال تايمز” بالقول إن “قطاع التجزئة أمام باب ذو اتجاه واحد، وهو مصطلح لقرارات استراتيجية لا رجعة فيها؛ فقد تحول التركيز من “تحسين محركات البحث” التقليدي إلى مفاهيم جديدة مثل “تحسين المحركات التوليدية”.

وكما أشار ماكس سنكلير، المؤسس لمنصة تسويق بالذكاء الاصطناعي، فإن الصناعة التي قضت عقدًا من الزمان في تحسينات هامشية لمحركات البحث، تجد نفسها اليوم أمام مساحة واسعة لإعادة اختراع مفهوم التسوق عبر الإنترنت بالكامل، في تحول قد يكون الأكثر عمقًا في حياتنا المعاصرة.

اترك تعليقا