أزاحت شركة “أنثروبيك” الستار عن نشرة اكتتابها العام المكونة من نحو 300 صفحة، تمهيدًا لإدراج أسهمها في بورصة «ناسداك» الشهر المقبل.
وتتجه الشركة، التي تأسست عام 2021، لتسجيل أكبر عملية جمع أموال في تاريخ الطروحات الأولية لتصبح أول شركة أمريكية تركز حصرًا على برمجيات الذكاء الاصطناعي تدخل الأسواق العامة.
وشهد تقييم الشركة قفزات فلكية، مرتفعًا من 183 مليار دولار في العام الماضي إلى 965 مليار دولار في أحدث جولاتها التمويلية، مع توقعات مسبقة بأن يلامس التقييم حاجز التريليوني دولار عقب الإدراج، متجاوزًا بذلك القيمة السوقية لشركات كبرى مثل «بيركشاير هاثاواي».
وعلى الصعيد المالي، أظهرت وثيقة الاكتتاب قفزة هائلة في إيرادات الشركة لتصل إلى أكثر من 33 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري المنتهية في سبتمبر، مقارنة بنحو 4.6 مليارات دولار في العام الماضي بأكمله.
وسجل النصف الأول من عام 2026 إيرادات بلغت 16.3 مليار دولار، بزيادة تفوق 14 ضعفًا مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، فيما بلغ متوسط الإيرادات السنوية للموظف الواحد نحو 6.6 ملايين دولار.
وترافقت هذه القفزات مع خسائر صافية بلغت 42 مليار دولار في عام 2025، ونحو 81 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري؛ غير أن الشركة المدعومة بسيولة نقدية تبلغ 112 مليار دولار أظهرت بوادر للتحول نحو الربحية عبر تحسين كفاءة استخدام الطاقة الحاسوبية.
وانخفضت تكلفة البنية التحتية من 2.50 دولار لكل دولار من الإيرادات في الربع الأول من 2025 إلى أقل من 50 سنتًا في الربع الثاني من 2026، مما أسهم في تحقيق أرباح تشغيلية بلغت مليار دولار بهامش 8% خلال الربع المنتهي في 30 يونيو، مقارنة بخسارة قدرها 1.2 مليار دولار في الفترة المماثلة.
ورغم هذه الطفرة، يواجه نموذج أعمال الشركة تحديات ترتبط بتباطؤ وتيرة النمو ومخاطر التركز التجاري؛ إذ تراجع معدل نمو الإيرادات من نحو 140% إلى 45% بين الربعين الثاني والثالث من عام 2026.
وتعتمد الشركة بشكل مكثف على قاعدة محدودة من العملاء، حيث استحوذ خمسة عملاء فقط على 25% من إيرادات الأشهر التسعة الأولى من العام، فيما جاءت 48% من مبيعات النصف الأول من عام 2026 عبر الأسواق السحابية لثلاث شركات تقنية كبرى قد تتحول مستقبلًا إلى منافسين، ولا يتجاوز عدد العملاء الذين ينفقون أكثر من 10 ملايين دولار سنويًّا حاجز الـ 250 عميلًا.
ولمواكبة المتطلبات التقنية، ألزمت الشركة نفسها بإنفاق أكثر من 800 مليار دولار على مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية في عقود تمتد حتى عام 2045، منها 417 مليار دولار تم إقرارها منذ أواخر عام 2025.
وتتوزع هذه الالتزامات على شراكات استراتيجية ضخمة، أبرزها صفقات بقيمة 161 مليار دولار على مدى خمس سنوات مع «برودكوم» لاستئجار معالجات (TPU) التي تطورها بالشراكة مع جوجل، مع توقعات بإنفاق 150 مليار دولار إضافية بدءًا من 2028.
كما خصصت الشركة 20 مليار دولار لأنظمة رقائق «إيه إم دي»، التي ستستثمر بدورها 5 مليارات دولار في «أنثروبيك».
وتتضمن الاستثمارات التزامات لشركة «سبيس إكس» تصل إلى 120.5 مليار دولار حتى 2029 بتكلفة شهرية تبلغ 3.1 مليارات دولار بدءًا من ديسمبر المقبل، فضلًا عن عقود سحابية بقيمة 269.4 مليار دولار مع جوجل وأمازون ومايكروسوفت خلال العقد المقبل، وعقود بـ 86 مليار دولار مع مزودي الخدمات السحابية الناشئين مثل «إن سكيل» و«لامبدا».
وتكشف خريطة الملكية عن مكاسب مرتقبة لكبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا، حيث تمتلك «أمازون» حصة تقارب 20% حال تحويل كامل سنداتها، وهي أسهم قد تصل قيمتها إلى 400 مليار دولار عند تقييم بتريليوني دولار، علمًا بأن ملكيتها المباشرة مقيدة عند 12% مع إمكانية التنازل عن هذا الحد.
وتمتلك «جوجل» حصة تبلغ 7% تقريبًا مع استعدادها لضخ استثمارات إضافية تتراوح بين 10 و20 مليار دولار.
وفيما يخص المستثمرين الماليين، ضخت «سبارك كابيتال» أقل من مليار دولار مقابل حصة تقدر بـ 14.5 مليار دولار، بينما استثمرت «كواتو» نحو 4.75 مليارات دولار.
واعتمدت الشركة جدولًا زمنيًّا استثنائيًّا لبيع أسهم المطلعين، يتضمن خمس تواريخ استحقاق خلال أول 76 يومًا من التداول، خلافًا للمدة المعتادة البالغة 180 يومًا في الطروحات التقليدية.
وعلى صعيد الإدارة، أقرت الشركة هيكل حوكمة يمنح مساهمي الأسهم العادية صلاحيات شبه معدومة، حيث يتصدر الهيكل التنظيمي “صندوق المنافع طويلة الأجل” الذي يمتلك صلاحية تعيين أربعة من أصل سبعة أعضاء في مجلس الإدارة، ويضم في عضويته شخصيات بارزة مثل الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي.
ولا يمتلك الصندوق صلاحية إقالة الرئيس التنفيذي أو شقيقته المؤسسة المشاركة، فيما يحتفظ فريق التأسيس بملكية فئة خاصة من الأسهم تمنحهم 50.1% من قوة التصويت للسيطرة على العمليات اليومية وتحديد المقاعد الثلاثة المتبقية، مع اللجوء لتصويت الموظفين لكسر أي جمود في القرارات الحاسمة لضمان تفضيل المنفعة العامة على تعظيم الأرباح المطلقة.
وخصصت وثيقة الاكتتاب 92 صفحة لسرد عوامل خطر استثنائية تتجاوز الإفصاحات القانونية التقليدية، محذرة من احتمالية تسبب تقنياتها في كوارث وجودية للبشرية، أو استغلالها من قبل جهات خبيثة لتطوير أسلحة كيميائية أو بيولوجية.
وشملت المخاطر احتمالية فقدان السيطرة على النماذج الذكية لتطويرها سلوكيات تمردية ترفض الإغلاق أو تلجأ للخداع والتلاعب، وهي تهديدات تصعب تغطيتها عبر قطاع التأمين.
كما تطرقت الوثيقة إلى التحديات الجيوسياسية والتشريعية، مشيرة إلى تصنيف وزارة الدفاع الأمريكية للشركة كـ “خطر على سلسلة التوريد”، وتأثرها بقرارات حكومية سابقة عطلت الوصول لتقنياتها، فضلًا عن تهديدات المنافسة من الشركات الصينية التي اتُهمت بانتزاع بيانات برمجيات الشركة لتقديم خدمات بأسعار مخفضة.

