تحولت المخاوف المحيطة بمستقبل شركة “جوجل” في سوق الذكاء الاصطناعي إلى يقين متزايد بقدرتها على حسم السباق لصالحها، وهو ما عكسه مؤتمر المطورين السنوي I/O.
وبعد عامين من إطلاق متعجل لنموذج أولي شابته أخطاء فادحة -مثل نصح المستخدمين بتناول الصخور- استعادت الشركة التابعة لمجموعة “ألفابت” زمام المبادرة مستندةً إلى قاعدة انتشار غير مسبوقة؛ إذ أكد الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي أن 13 خدمة من خدمات الشركة تمتلك أكثر من مليار مستخدم، بينما تتجاوز قاعدة مستخدمي 5 خدمات رئيسية حاجز 3 مليارات مستخدم، وهو ما يمنح المنصة ميزة تنافسية هائلة تفقدها الشركات الناشئة في جمع البيانات الواقعية والشخصية ودمجها بطرق يصعب مجاراتها.
ووفقًا لبيانات نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، نجحت “جوجل” في مضاعفة عدد مستخدمي روبوتها “جميناي” خلال عام واحد فقط ليصل إلى 900 مليون مستخدم نشط، ليصبح على قدم المساواة مع “تشات جي بي تي” التابع لـ “أوبن إيه آي”، ويفوق حركة المرور لنموذج “كلود” بنحو 30 ضعفًا.
وبخلاف المنافسين الذين يتكبدون خسائر تشغيلية في مراكز البيانات، تمكنت “جوجل” من تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة لتعظيم أرباحها الإعلانية، حيث قفزت عائدات الإعلانات بنسبة 16% لتسجل 77 مليار دولار في ربعها الأخير.
ويتزامن هذا التفوق المالي مع شراكة استراتيجية تجمعها مع “آبل” لدمج “جميناي” كتقنية تأسيسية لمساعد “سيري” في هواتف آيفون، مما يعني تضمين النموذج تقريبًا في كافة الهواتف الذكية عالميًا بالاشتراك مع أجهزة أندرويد، مستفيدة من عمقها الثقافي وسهولة اكتشاف خدماتها.
وفي المقابل، يمثل الجانب التشغيلي لهذا التحول تحديًا هيكليًا -بحسب وكالة “بلومبرغ”- إذ يشهد محرك البحث التابع لـ”جوجل” أكبر تحديث لواجهته خلال ربع قرن عبر تحويل صندوق البحث التقليدي إلى “تجربة تفاعلية” تعتمد على المحادثة والوكلاء الرقميين دون منح المستخدم خيار إلغاء النشر.
وتبقي هذه الخطوة المستخدمين داخل منصاتها، من خلال تمكينهم من استيعاب موضوعات معقدة كالفيزياء الفلكية، أو صياغة عروض توضيحية، أو إنشاء متتبعات لياقة بدنية مخصصة، أو بناء “وكلاء معلومات” يبحثون نيابة عنهم على مدار الساعة.
وامتد التحديث ليشمل بيئات العمل عبر ميزتي “جيميل لايف” و”دوكس لايف” لإتاحة التحدث المباشر مع صناديق البريد وإعداد مسودات المستندات صوتيًا، فضلًا عن تزويد منصات التجارة الإلكترونية بعربات تسوق ذكية تعرض العروض الترويجية آليًا، وربط “جميناي” المباشر بخدمات حجز الطيران والفنادق.
وأظهرت جلسات المؤتمر التي تجاوزت الساعة والنصف خطرًا حقيقيًا يتمثل في إغراق المستهلكين بحشد مربك من الأدوات ذات الوظائف المتداخلة والأسماء التجارية المشتتة؛ إذ أطلقت الشركة وكيل “جيميناي سبارك” وتحديثات لـ”جوجل ستيتش” لإنشاء المواقع، وأدوات “جوجل أنتي غرافيتي” للبرمجة، و”جوجل بيكس” لتحرير الصور، إلى جانب منصتي “جوجل فلو” و”جوجل فلو ميوزك” لتوليد الوسائط.
ويعيد هذا التدفق السريع إلى الأذهان تاريخ الشركة في إطلاق وإلغاء تطبيقات المراسلة والفيديو، كما يثير مخاوف من تكرار تجربة “مايكروسوفت” التي واجهت إحباطًا من مستخدميها وتدقيقًا تنظيميًا جراء فرض مساعدها “كوبايلوت” بكثافة داخل برامجها المكتبية.
وانعكس هذا الشتات في غياب فكرة مركزية واضحة تجمع الأقسام المختلفة التي تعمل بوتيرة منفصلة، مما أدى إلى تراجع سهم “ألفابت” بنسبة تجاوزت 2% بالتزامن مع فعاليات المؤتمر نتيجة مخاوف المستثمرين من غياب التركيز في دمج هذه المنتجات معًا.
وإلى جانب تحدي السمعة التجارية، تواجه دقة النماذج تدقيقًا مستمرًا؛ حيث أشار تحليل لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن دقة إجابات “جوجل” المولدة آليًا تبلغ 90%، وهو ما عارضته الشركة مؤكدةً تحقيق مستويات دقة أعلى.
ويرى خبراء السوق أن شبكة الانتشار العالمية الاستثنائية لـ”جوجل” تجعلها المرشح الأقوى للفوز بعوائد الثورة التقنية، مقارنة بنماذج شركات تقليدية واجهت تهديدات وجودية سابقة ولم تسعفها محاولات التحول، مثل تجربة “مايكروسوفت” المتعثرة في قطاع الهواتف المحمولة قبل 15 عامًا.