
لم تعد شركة تسلا الأمريكية تتبوأ مكانة الصدارة كأكبر مصنع للسيارات الكهربائية في العالم، إذ كشفت البيانات الصادرة الجمعة الماضي عن تراجع في مبيعات 2025، مما جعلها تحتل المرتبة الثانية خلف منافستها الصينية الشرسة “بي واي دي”.
ولا يعتبر قطاع السيارات الميدان الوحيد الذي تسعى شركة إيلون ماسك لتثبيت أقدامها فيه؛ ففي قطاع البطاريات العملاقة المخصصة لخدمة شبكات الكهرباء، يبدو أن تسلا تمتلك أوراقًا رابحة قد تمكنها من خوض معركة أكثر ضراوة وصموداً أمام التمدد الصيني.
وتتمتع شركات صناعة البطاريات الصينية بميزة استراتيجية كبرى، وهي قدرتها الفائقة على خفض تكلفة منتجاتها عامًا بعد عام، وهو ما مكنها من تجاوز جميع المنافسين في توريد مصادر الطاقة للمركبات الكهربائية، حيث تنتج الصين وحدها حاليًا نحو 75% من بطاريات الليثيوم أيون في العالم.
ولكن الميدان الجديد للمواجهة يتركز في البطاريات الضخمة القابلة لإعادة الشحن التي تستخدمها شبكات الكهرباء الوطنية، وعلى الرغم من أن العمالقة الصينيين مثل “كاتل” قد حققوا اختراقات كبيرة في هذا المجال، إلا أن موقعهم لا يزال عرضة للتحدي والمنافسة.
وأصبحت أنظمة تخزين الطاقة، وفقًا لـ”فاينانشال تايمز” جزءًا حيويًا لا يتجزأ من مشاريع الطاقة المتجددة مع توسع الاعتماد على الرياح والطاقة الشمسية عالميًا؛ حيث تكمن أهمية هذه الأنظمة في قدرتها على تخزين الكهرباء عندما يكون هناك فائض في التوليد خلال الأيام المشمسة أو العاصفة، حيث تزداد حاجة شبكات الكهرباء إلى هذه البطاريات لتحقيق استقرار التردد وضمان تدفق الطاقة في الأوقات التي لا تتوفر فيها المصادر المتجددة.
وتحوّل هذا القطاع الذي كان يمثل في السابق نشاطًا هامشيًا لصناع البطاريات العالميين الذين ركزوا جُل اهتمامهم على هوامش الربح المرتفعة من صناعة السيارات، حاليًا إلى ركيزة أساسية للبنية التحتية.
وبدأت شركات المرافق ومراكز البيانات العملاقة في نشر أنظمة تخزين الطاقة كعنصر جوهري في عملياتها، وكانت شركات مثل “كاتل” و”بي واي دي” و”إيف إنرجي” أكبر المستفيدين من هذا التحول، جنبًا إلى جنب مع شركات دمج الأنظمة مثل “سونجرو” و”هواوي”.
وتستحوذ شركة “كاتل” الصينية حاليًا على نحو 40% من السوق العالمية لتخزين الطاقة، وفي أوروبا على وجه الخصوص، نمت حصة المجموعات الصينية بسرعة مذهلة خلال عام 2024، بزيادة قدرها ثلثا الحصة مقارنة بالعام السابق، وفقًا لبيانات “وود ماكنزي”؛ إذ تقود شركة “سونجرو” هذا التوسع الصيني، حيث ضاعفت حصتها في السوق لتصل إلى 21%.
وتظل الولايات المتحدة، التي تمتلك أكبر قاعدة عملاء في العالم بعد الصين من حيث القدرة المركبة، استثناء لافتًا لهذه القاعدة؛ إذ تهيمن تسلا على السوق الأمريكية بحصة تبلغ 39%، على الرغم من تمتع المنافسين الصينيين بميزة سعرية واضحة ومغرية.
ويعود سبب هذا الاستثناء الأمريكي إلى أن شبكات الكهرباء الوطنية تنظر إلى الأجهزة والمعدات كجزء واحد فقط من معادلة متكاملة، وليس المنتج النهائي بحد ذاته.
وتعتمد استراتيجية تسلا على بيع منتج متكامل يجمع بين العتاد الصلب، والبرمجيات المتقدمة، وتكامل الشبكة، وخدمات الصيانة طويلة الأمد في عرض واحد وشامل، كما لا يستطيع مشغلو شبكات الكهرباء المخاطرة أو التجربة، فهم يديرون بنية تحتية حيوية وحساسة يتجاوز عمرها الافتراضي 20 عامًا، وهذا يجعل من قضايا الضمانات، والمسؤولية القانونية، وسهولة الصيانة أكثر أهمية بكثير من الفروق الطفيفة في تكلفة خلايا البطاريات الفردية.
وفي الوقت الحالي، لا تزال لدى الشركات الصينية فرصة كبيرة لكسب المزيد من الأراضي بفضل تطورها التقني المتسارع واصطدامها باقتصاديات الحجم التي تمنحها أفضلية التكلفة؛ لكن يبدو مشتري السيارات الكهربائية أكثر استعدادًا يومًا بعد يوم لاقتناء مركبة صينية، وهو أمر يزعج تسلا بلا شك، فإن سوق البطاريات العملاقة قد يسلك مسارًا مختلفًا تمامًا، حيث تصبح الموثوقية والسيادة التقنية هي العملة الصعبة التي لا يمكن شراؤها بمجرد خفض الأسعار.




