بعدما اعتاد العالم الاحتفاء بموجات الابتكار السابقة، من ثورة الإنترنت إلى ازدهار شركات “الدوت كوم”، تواجه ثورة الذكاء الاصطناعي حالة فتور، بل وعداء صريح في بعض الأوساط.
ويروج قادة وادي السيليكون للذكاء الاصطناعي باعتباره تحولًا جذريًا في حياة البشر، يشبه في تأثيره اكتشاف الكهرباء، بل ويتجاوزه.
وتتصدر المشهد شركات مثل أوبن إيه آي، وإنفيديا، ومايكروسوفت، وجوجل، وأمازون، وميتا، التي قفزت قيمها السوقية إلى مستويات قياسية، فيما بلغت القيمة السوقية لإنفيديا وحدها نحو 4.5 تريليون دولار، لتصبح الشركة الأعلى قيمة في العالم.
الاستطلاعات تكشف صورة مغايرة لـ ثورة الذكاء الاصطناعي
لكن على أرض الواقع، تكشف الاستطلاعات صورة مختلفة؛ ففي مسح أجرته “يوجوف” العام الماضي، أعرب أكثر من ثلث المشاركين عن قلقهم من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إنهاء الحياة البشرية على الأرض.
وفي استطلاع آخر، قال معظم المتفائلين بالتكنولوجيا إنهم لن يدفعوا أموالًا إضافية لإضافة تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أجهزتهم.
وأظهر مسح واسع للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن 80% من الشركات لا ترى حتى الآن تأثيرًا يُذكر للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية أو التوظيف.
وأقر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، بأن وتيرة “انتشار واستيعاب” الذكاء الاصطناعي في الثقافة والاقتصاد جاءت أبطأ مما توقع، وفي مؤتمر حديث، قال إن التقدم “أبطأ بشكل مفاجئ” قياسًا إلى الإمكانات المتاحة.
من جانبه، عبّر جينسن هوانج، الرئيس التنفيذي لإنفيديا، عن قلقه من أن “معركة السرديات” تميل لصالح المنتقدين، معتبرًا أن روايات “نهاية العالم” التي يروج لها بعض المفكرين ألحقت ضررًا بالصناعة.
ورغم ذلك، لا تعاني الشركات من نقص في التمويل. فقد شهدت شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي ارتفاعات مذهلة في تقييماتها خلال فترات زمنية قصيرة، على غرار ما حدث مع أوبن إيه آي.
ومع ذلك، تشير بيانات “جالوب” إلى أن نسبة الموظفين الذين أفادوا بدمج الذكاء الاصطناعي في أماكن عملهم استقرت عند 38% في الربع الأخير من 2025، دون تغيير يُذكر عن الربع السابق، ما يعكس تباطؤًا في التبني.
عمالة منخفضة الدخل
اللافت أن المخاوف لا تقتصر على العمالة منخفضة الدخل؛ فوفق تقرير لشركة “إدلمان”، قال ثلثا أصحاب الدخل المنخفض في الولايات المتحدة إنهم يعتقدون أنهم سيتخلفون عن جني فوائد الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما شاركهم الرأي نحو نصف أصحاب الدخل المرتفع. كما أظهر استطلاع لـ”بيو” أن 61% من المشاركين يرغبون في قدر أكبر من التحكم بكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في حياتهم.
كما أظهر استطلاع لجالوب أن 80% من الأمريكيين يؤيدون وضع قواعد تنظّم الذكاء الاصطناعي، حتى لو أدى ذلك إلى إبطاء تطوره. ويرى خبراء في تاريخ الفقاعات المالية، مثل ويليام كوين، أن ما يميز طفرة الذكاء الاصطناعي هو غياب الحماسة الشعبية التي رافقت تقنيات سابقة مثل الكهرباء أو السيارات.
من جهة أخرى، تختلف هذه الطفرة عن سابقاتها في أن المشاركة فيها محدودة. فبينما أتاحت حمى الذهب في كاليفورنيا أو طفرة الإنترنت فرصة للجمهور للمغامرة والاستثمار، يتطلب إنشاء شركة ذكاء اصطناعي اليوم خبرات تقنية ورؤوس أموال ضخمة، ما يجعل التقنية تبدو مفروضة على المستخدمين عبر البريد الإلكتروني والمتصفحات، لا خيارًا طوعيًا.
وتتزايد المخاوف البيئية أيضًا، مع اتساع بناء مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة، ما يثير اعتراضات مجتمعية.
كما حذر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، من أن استمرار استهلاك الطاقة دون تحقيق فوائد ملموسة للناس قد يؤدي إلى فقدان “القبول الاجتماعي” للتكنولوجيا.
المفارقة أن بعض التصريحات المثيرة للقلق صدرت من داخل الصناعة نفسها. فقد قال بيل جيتس، مؤسس مايكروسوفت، في مقابلة تلفزيونية إن البشر “لن يكونوا ضروريين لمعظم الأشياء”، فيما أعلن أحد الباحثين في شركة “أنثروبيك” تركه العمل بسبب مخاوف أخلاقية.
ومع ذلك، يظل الواقع أكثر تعقيدًا. فالكثيرون يستخدمون أدوات مثل “تشات جي بي تي” في حياتهم اليومية، حتى من ينتقدون التكنولوجيا.
عبّر أحد المتقاعدين في منطقة خليج سان فرانسيسكو عن شعوره بأن الأجهزة الرقمية باتت تتحكم في حياته، لكنه أقر بأن “تشات جي بي تي” كتب خطابًا مؤثرًا لعيد ميلاد زوجته.