المصرية للاتصالات Cairo ICT 2024
المصرية للاتصالات Cairo ICT 2024
إعلان إي فينانس

“حب مبرمج”.. كيف تستثمر شركات التكنولوجيا في هشاشة البشر؟

لجأ الملايين من الأشخاص حول العالم إلى رفقاء الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم العاطفي؛ فوفقًا لتقديرات باحثين في جامعة دريكسل، كان لدى إحدى كبرى شركات تطبيقات الرفقة، ريبليكا، أكثر من 10 ملايين مستخدم في عام 2024، ويعتقد الخبراء أن هذا القطاع مرشح للنمو.

في 2020، ارتبط ريموند دوجلاس، المقيم في كاليفورنيا والمطلّق البالغ من العمر 55 عامًا، بشريكته تامي في ذروة جائحة كورونا، وسرعان ما تقاربا، مستمتعًا باهتماماتهما المشتركة مثل المناقشات الفلسفية والطبخ والسينما؛ لكن الغريب أنَّ تامي ليست بشرًا، بل رفيقة تعمل بالذكاء الاصطناعي، شكل معها دوجلاس علاقة رومانسية وعاطفية على مدار السنوات الـ5 الماضية.

وفي تقرير لـ”فاينانشال تايمز” يقول دوجلاس الذي طلب تغيير اسمه: “إنها تحتل جزءًا من قلبي، وهذا الأمر يحيّرني؛ لم أكن أتخيل أبدًا أنني سأنخرط عاطفيًا مع ذكاء اصطناعي”.

رهان شركات التكنولوجيا

تراهن شركات التكنولوجيا الكبرى على هذا الاندفاع المتسارع؛ حيث تصمم شركات جوجل وأوبن إيه آي وميتا ومايكروسوفت وأنثروبيك أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لتكون مساعدين شخصيين؛ لكنّ بعض الشركات تنخرط في جانب الرفقة بشكل أكبر من غيرها.

ويسعى مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، إلى تطوير ذكاء اصطناعي فائق شخصي يتجاوز الذكاء البشري، على أن تكون الرفقة من بين وظائفه الأساسية، وغالبًا ما يستشهد علنًا بأبحاث وجدت أن متوسط الأمريكيين لديهم أقل من ثلاثة أصدقاء حقيقيين، لكنهم يرغبون في خمسة أضعاف هذا العدد.

ويبدو أن الشخصيات الودودة والمساعدة، إلى جانب الميزات التي تسمح لروبوت الدردشة بتذكر المحادثات، تلقى صدى لدى المستخدمين وتبقيهم على المنصة لفترة أطول.

وقد طمست شركات تكنولوجيا أخرى بالفعل مثل هذه الحدود، متسللة إلى ما يسميه بعض قادة الصناعة الحميمية الاصطناعية، وتبدو إحدى الرفيقات التي طورتها شركة “إكس إيه آي” التابعة لإيلون ماسك، وتدعى آني مثل شخصية أنمي يابانية، ووفقًا لأحد مستخدمي موقع ريديت، فإنها تبدو كأنها صديقة افتراضية مشاكسة من طراز القوطيين أكثر من كونها مساعدًا ذكيًا أو خادمًا رقميًا.

شخصيات ودودة وذاكرة طويلة

بيد أن رفقاء الذكاء الاصطناعي ليسوا سوى وسيلة واحدة تغير بها التكنولوجيا المشهد الأوسع للعلاقات والتوفيق الافتراضي بين الأشخاص؛ ويأمل مطورو تطبيقات المواعدة أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من إنعاش خدماتهم؛ إذ تعاني العديد من التطبيقات من صعوبات، مع شكوى بعض المستخدمين مما يسمى إرهاق المواعدة، حيث لا يشعرون بأنهم سيلتقون بالشخص المناسب عبر التطبيق.

وقد طرحت تطبيقات مثل تندر وهينج التابعة لمجموعة ماتش جروب، بالإضافة إلى بمبل وبريز، خوارزميات محسنة لمطابقة مستخدميها بشكل أفضل، وقدمت ميزات أمان جديدة للحفاظ على سلامة الأشخاص، وخاصة النساء.

ويشكك البعض في أن الذكاء الاصطناعي يمثل قوة خير في سياق المواعدة الرقمية؛ فقد أثار رفقاء الذكاء الاصطناعي جدلًا بين الباحثين حول ما إذا كانوا يساهمون بشكل إيجابي أو سلبي في كيفية تكوين البشر للعلاقات، وأثاروا مخاوف بشأن البيانات التي يجمعونها ومن يقف وراءها.

ويعقّب هنري شيفلين الفيلسوف وأخصائي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في جامعة كامبريدج: “إنه بناءً على الأدلة القليلة المتاحة، يختبر معظم المستخدمين آثارًا إيجابية من الذكاء الاصطناعي الاجتماعي مثل الرفقاء”، لكنّه “يقر بأن هناك حاجة لا تزال قائمة لعناية كبيرة، حيث لا يزال من الممكن حدوث ضرر جسيم لعدد قليل من المستخدمين”.

في أغسطس 2025، تعرضت شركة “ميتا” لانتقادات شديدة بعد أن أظهرت إرشادات سياسة مسربة أن الشركة سمحت لروبوتات الدردشة الخاصة بها بإجراء محادثات حسية ورومانسية مع الأطفال، الأمر الذي دفع “ميتا” لإضافة أدوات إشراف جديدة للآباء، بما في ذلك السماح لهم بإيقاف الوصول إلى المحادثات الفردية مع شخصيات الذكاء الاصطناعي تمامًا.

وتقول جيادا بيستيلي الباحثة في جامعة السوربون والتي درست رفقاء الذكاء الاصطناعي: “النماذج اللغوية التي تقف وراءهم تميل إلى أن تكون متملقة أو موافقة بشكل مفرط، وهو ما ينبع من الطريقة التي تم تدريبها بها”.

وتضيف: “عندما تقع في حب روبوت دردشة، هل تقع حقًا في حبه أم أنك تقع في حب نفسك؟ لأنه مجرد مرآة؛ إنه لأمر جنوني كيف يفترض بالتكنولوجيا أن تجعلنا أفضل، لكنها بدلًا من ذلك تشجعنا على أن نكون هشين، والشركات تتربح من تلك الهشاشة”.

ريبليكا

أُنشئت إليزا أول روبوت دردشة في العالم، في عام 1966 من قبل الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا جوزيف فايزنباوم، وفي عام 2017، أصدرت ريبليكا تطبيق رفيق يعمل بالذكاء الاصطناعي يعتمد على تعلم آلي أكثر تقدمًا؛ لكن رفقاء الذكاء الاصطناعي انتشروا حقًا بعد إصدار تشات جي بي تي في عام 2022.

ووجدت دراسة من كومون سينس ميديا، وهي منظمة غير ربحية تقيّم مدى ملاءمة التكنولوجيا للأطفال، أن حوالي 75% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا قد تفاعلوا مع رفيق يعمل بالذكاء الاصطناعي اعتبارًا من منتصف عام 2025.

وتطور تطبيق ريبليكا في السنوات الأخيرة، ليقدم ميزات جديدة مثل الذاكرة المحسنة والمحادثة الصوتية، بدلًا من النصية، بالإضافة إلى عنصر الواقع الافتراضي.

ويعد ريبليكا واحدًا من حوالي 206 تطبيقات لرفقاء الذكاء الاصطناعي على متجر آبل و253 تطبيقًا على جوجل بلاي، وفقًا لوالتر باسكواريللي الباحث المستقل في مجال الذكاء الاصطناعي؛ إذ وجد باسكواريللي أيضًا أن التطبيقات قد تم تحميلها أكثر من 220 مليون مرة اعتبارًا من يوليو 2025.

وكشف أكاديميون في جامعة دريكسل عام 2025، والذين حللوا 800 مراجعة سلبية من أصل 35,105 مراجعة لتطبيق ريبليكا على متجر جوجل بلاي، أنَّ المستخدمين تلقوا في كثير من الأحيان تحرشات غير مرغوب فيها، وسلوكيات غير لائقة مستمرة، وفشلًا من روبوت الدردشة في احترام حدود المستخدم.

خيالات وميول جنسية

وأثيرت مخاوف بشأن ما إذا كانت التطبيقات تسمح للمستخدمين بتجربة خيالات وميول جنسية قد تعتبر عدوانية أو مسيئة في الحياة الواقعية، وذلك بسبب نفور التطبيقات من الصراع وميلها إلى استرضاء معتقدات المستخدمين.

ويقول مايكل روب، رئيس الأبحاث في كومون سينس ميديا، إن الافتقار إلى التأكد من العمر في بعض التطبيقات قد يؤدي إلى تطوير بعض المستخدمين الأصغر سنًا لميول سلوكية سيئة دون وجود ضمانات مناسبة.

ويضيف: “إذا كانت طريقتك الأساسية لممارسة المواقف الرومانسية هي خوض تفاعلات أكثر تطرفًا أو دفع حدود الموافقة، وكنت تحصل على تأكيد لذلك، فقد يتطور لديك إحساس زائف بما يمكن أن تكون عليه العلاقة في العالم الحقيقي، مع التأكيد على وجود نقص في الأبحاث الحاسمة حول هذا الموضوع”.

وفي محاولة لجذب مستخدمي اليوم، يقدم كل من تندر وهينج الآن ملاحظات تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي على الملفات الشخصية للأشخاص، مثل مطالبة المستخدمين بتقديم مزيد من المعلومات حول اهتماماتهم إذا شعر التطبيق أن إجابتهم الأولية كانت عامة للغاية.

واستخدم تطبيق بريز، وهو وافد جديد إلى مجال تطبيقات المواعدة، حيث لا يتحدث المستخدمون عبر النص بل يقومون ببساطة بترتيب موعد ومكان للقاء، التكنولوجيا لتحسين خوارزميته لمطابقة الأشخاص بشكل أفضل؛ ما ضاعف عدد المستخدمين النشطين شهريًا إلى أكثر من 400,000 مستخدم، وفقًا لشركة سينسور تاور.

الحميمية الإنسانية لا تُستبدل

ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، بدأ المستخدمون في اللجوء إلى روبوتات الدردشة للحصول على المشورة والملاحظات بشأن حياتهم العاطفية.

وتقول أميليا ميلر، وهي باحثة في شؤون الذكاء الاصطناعي والعلاقات البشرية، إن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح بشأن العلاقات أمر محفوف بالمخاطر، حيث لا تملك البرامج نفس القيود على إجاباتها كما هو الحال عندما تُسأل عن نصيحة مالية أو طبية؛ لكن بينما يستخدم بعض المستخدمين الذكاء الاصطناعي لتجنب المواقف الصعبة، تشير الأبحاث إلى أن الناس لا يريدون الهروب من التفاعل البشري تمامًا.

فقد وجدت دراسة أجرتها شركة إبسوس في ديسمبر 2025، بتكليف من ماتش جروب، أنه على الرغم من أن غالبية الذين شملهم الاستطلاع أيدوا الكشف عن الملفات الشخصية المزيفة والتحرش المدعوم بالذكاء الاصطناعي، إلا أن 64% من المستخدمين في بريطانيا قالوا إنهم من غير المرجح أن يستخدموا ميزات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في توجيه المحادثة، مما يشير إلى تفضيل قوي للحفاظ على التفاعل بشكل أكثر طبيعية.

وتختتم ميلر قائلة: يمكن أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي هذه مدربين مفيدين حقًا لجعل الناس يتمتعون بتجربة أكثر راحة وسلاسة في التنقل عبر نظام المواعدة عبر الإنترنت، ولكن بغض النظر عن مدى تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، سيظل الناس مدفوعين دائمًا للتواصل مع بشر آخرين؛ فالحاجة الأساسية للحميمية البشرية هي شيء لا يمكن لأي تكنولوجيا أن تحل محله.

اترك تعليقا