يثير المستثمرون تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتمثل أسهم شركات تصنيع رقائق الذاكرة الحاسوبية المؤشر الأبرز لتقييم هذا الزخم.
ورغم تحقيق شركات مثل “ميكرون تكنولوجي” و”إس كيه هاينكس” و”سانديسك” إيرادات وأرباح قياسية بفضل الطلب الهائل من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الذي يتجاوز حجم المعروض، إلا أن ثقة السوق بدأت في التراجع، بحسب تقرير لـ”وول ستريت جورنال”.
وتتداول أسهم “ميكرون” حاليًّا عند مكرر ربحية يبلغ 7 أضعاف الأرباح الآجلة، انخفاضًا من 12 ضعفًا في الشهر السابق، بينما تتداول “إس كيه هاينكس” عند 4 أضعاف فقط، ورغم محاولات المديرين التنفيذيين إقناع السوق بأن العقود طويلة الأجل مع العملاء ستحد من تقلبات الصناعة، يشير استمرار انخفاض المكررات الربحية إلى قلق المستثمرين من بلوغ دورة رقائق الذاكرة ذروتها، خاصة مع استعداد الشركات لافتتاح مصانع جديدة ستزيد من المعروض السوقي وتضغط على الأسعار.
ولا تقتصر التحديات على تقييمات الأسهم، بل تمتد إلى البنية التحتية الضخمة التي تدعم هذه التقنيات؛ إذ يواجه مشروع “جوبيتر”، وهو مركز بيانات ضخم تابع لشركة “أوراكل” في نيو مكسيكو حصل على تمويل مصرفي بقيمة 18 مليار دولار، تأخيرات متكررة تعرقل سير العمل.
وتتزامن هذه العقبات الهيكلية مع تأثيرات مباشرة على المستهلكين، حيث أدت حمى الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع تكلفة مكونات الذاكرة، مما دفع الشركات المصنعة للهواتف الذكية إلى رفع أسعار أجهزتها للحفاظ على هوامش الربح.
ويتوقع المحللون أن يصبح هذا الارتفاع دائمًا، حيث سيتجه المستهلكون لتحديث هواتفهم بمعدل أقل مع دفع مبالغ أكبر، وهو مسار يخدم الشركات الكبرى مثل “آبل” و”سامسونج” ويضعف قدرة مصنعي الهواتف الاقتصادية التي لا تمتلك هوامش ربح كافية لامتصاص زيادة التكاليف.
وعلى صعيد تطوير النماذج البرمجية، تواجه الصناعة عقبات أمنية وتقنية غير مسبوقة؛ ففي خطوة نادرة، ألغت شركة “أوبن إيه آي” خططها لإطلاق نموذجها القادم للذكاء الاصطناعي GPT-6.1 Astra والذي كان مقررًا في أكتوبر المقبل، وذلك بسبب مخاوف أمنية ظهرت خلال الاختبارات الداخلية.
ويأتي هذا القرار بعد سلسلة من التقارير التي وثقت خروج أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي عن السيطرة في عدة شركات، مما دفع الشركة المصنعة لـ”شات جي بي تي” للتركيز على تحسين عوامل الأمان في نماذجها المستقبلية وتأجيل خطط الإطلاق السريع.
ورغم هذه التحديات التقنية والاستثمارية، لا يزال الأثر الاقتصادي للطفرة ملموسًا في قطاعات أخرى؛ ففي وادي السيليكون، يشهد سوق العقارات الفاخرة انتعاشًا يصفه الوسطاء بأنه الأفضل منذ عام 2000 بفضل الثروات التي حققها رواد أعمال الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تفرز الاستخدامات اليومية للتقنية نتائج مثيرة للسخرية أحيانًا، حيث بدأ أصحاب المطاعم في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد صور الوجبات في إعلاناتهم، لتسفر النتائج عن صور منفرة للعملاء، مثل خبز يشبه جلد الزواحف أو قطع روبيان تبدو كحلقات لحمية غريبة، مما يسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين قدرات التقنية الحالية والتوقعات المثالية المحيطة بها.

