ضخت شركات التكنولوجيا الأربع الكبرى في الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار في استثمارات رأسمالية منذ بدء سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي قبل 3 سنوات ونصف، في رهان حاسم يحدد مستقبل هذه الكيانات العملاقة.
وبحسب تقارير الأرباح الصادرة خلال الأسبوعين الماضيين –الذي رصدته فاينانشال تايمز- بلغ إجمالي الإنفاق الرأسمالي لشركات “جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت” و”ميتا” نحو 1.1 تريليون دولار، وذلك منذ بداية طفرة الذكاء الاصطناعي في عام 2023 وحتى نهاية شهر يونيو الماضي.
ويعكس هذا الإنفاق الهائل حجم الطموحات التكنولوجية، والسرعة التي تحولت بها هذه الشركات من نماذج أعمال خفيفة الأصول إلى جهات تضخ استثمارًا ضخمًا في البنية التحتية المادية.
وتخطط الشركات الأربع مجتمعةً لإنفاق 745 مليار دولار هذا العام 2026، تتركز أساسًا على بناء مراكز البيانات، وشراء الرقائق المتقدمة، وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيلها، وذلك بعد أن رفعت كل من “جوجل” و”أمازون” توقعاتهما الاستثمارية خلال الربع الحالي.
وبحسب فاينانشال تايمز، يبقى نجاح هذا الرهان مرتبطًا جزئيًا بقدرة شركات ناشئة مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” على مواصلة جمع الأموال لتلبية التزامات ضخمة تمتد لسنوات لشراء قوة الحوسبة، خاصةً مع تخطيط كلا المختبرين لطرح أسهمهما للاكتتاب العام قريبًا.
وأدى هذا الاندفاع الاستثماري الكبير إلى الضغط على سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف، مما تسبب في نقص حاد في رقائق الذاكرة، وألحق هذا النقص ضررًا بالغًا بشركة “آبل” رغم ابتعاد صانعة “الآيفون” عن سباق الذكاء الاصطناعي الحالي؛ إذ أدت تحذيراتها من انخفاض المبيعات وهوامش الربح بسبب زيادة التكاليف إلى تراجع سهمها بنسبة 6.3% يوم الخميس الماضي.
الإيرادات السحابية تنتعش
وعلى الجانب الإيجابي، أظهرت النتائج المالية لعمالقة التكنولوجيا أن هذه الاستثمارات بدأت تُترجم فعليًا إلى نمو متسارعٍ في الإيرادات، وتحديدًا في قطاع الحوسبة السحابية؛ حيث سجلت كل من “جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت” نموًا متزايدًا في وحداتها السحابية، حيث تبيع قوة الحوسبة لعملاء تتراوح أحجامهم من “أوبن إيه آي” إلى الشركات الكبرى التي تتبنى التقنية الجديدة، وهي أرقام أنعشت أسهم “أمازون” و”مايكروسوفت”.
أما شركة “ميتا”، التي لا تمتلك أعمالًا سحابيةً، فقد أفادت بأن الذكاء الاصطناعي ساعدها في تحسين استهداف الإعلانات، لتقفز إيراداتها الإجمالية بنسبة 28% على أساسٍ سنويٍ لتصل إلى 61 مليار دولار في الربع الأخير.
وألمّح رئيسها التنفيذي مارك زوكربيرج إلى إمكانية اقتحام مجال تأجير مساحات مراكز البيانات، مخبرًا المستثمرين أن الشركة تتلقى “عددًا كبيرًا من العروض” لتأجير قدراتها الحاسوبية “بعلاوةٍ كبيرةٍ فوق ما دفعناه”؛ مستدركًا في الوقت ذاته أن “الهامش الربحي سيظل أعلى بكثير عند بيع الذكاء بديلًا عن بيع الحوسبة بشكل مباشر”.
ورغم أن الأعمال السحابية لعملاق البحث “جوجل” أضافت 11 مليار دولار للإيرادات مقارنةً بمبيعات العام الماضي، إلا أن المستثمرين سارعوا ببيع أسهمهم بعد أن سجلت الشركة أول ربعٍ لها يشهد استنزافًا للسيولة النقدية منذ طرحها للاكتتاب العام قبل أكثر من عقدين، مسجلةً تدفقًا نقديًا حرًا سلبيًا بلغ 6 مليارات دولار لتلك الفترة.
التزامات فلكية
وعلى غرار نظيراتها، كشفت “جوجل” عن زيادات هائلة في التزاماتها المالية المستقبلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي تضخمت بنحو 500 مليار دولار مقارنةً بالأشهر الثلاثة السابقة.
وتتركز أغلب العقود الجديدة في التزامات شراءٍ طويلة الأجل للبنية التحتية التقنية، فضلًا عن توفير الطاقة اللازمة لمراكز البيانات.
ووقّعت ميتا التزامات جديدة بقيمة 233 مليار دولار في الربع ذاته، وشملت الإضافات 96 مليار دولار كعقود إيجار لمراكز البيانات والبنية التحتية للشبكات، و112 مليار دولار في التزامات شراءٍ تخص غالبًا خوادم سحابية من جهات خارجية، بالإضافة إلى ديون جديدة بقيمة 25 مليار دولار، وفي شهر يوليو، أضافت المجموعة عقود إيجار أخرى بقيمة 68 مليار دولار.
وأبرمت عقود إيجار جديدة لمراكز البيانات بأكثر من 130 مليار دولار، في توسع ضخم لالتزاماتها، ولم تنشر بعد إفصاحات تفصيلية مشابهة.
وبذلك، تكون الشركات الثلاث قد وافقت مجتمعة على التزامات جديدة متعلقةٍ بالذكاء الاصطناعي تقارب 900 مليار دولار في فترة ثلاثة أشهر فقط، ما يربط ميزانياتها العمومية بسباق التسلح التقني لسنوات قادمة.
ضغوط التدفق النقدي
وأقر العديد من كبار المديرين التنفيذيين خلال اجتماعاتهم مع المحللين بأن هذا الإنفاق الضخم سيستمر في استنزاف التدفقات النقدية الحرة خلال الأرباع المقبلة، حيث انخفضت التدفقات النقدية الحرة المجمعة للمجموعات الأربع إلى أدنى مستوياتها منذ عقد من الزمان لتسجل 7 مليارات دولار فقط خلال الفترة ذاتها، حيث تمكنت “مايكروسوفت” و”ميتا” وحدهما من تحقيق تدفقات فاقت حجم إنفاقهما.
ويعني هذا التباطؤ الكبير بين استثمارات البنية التحتية الضخمة لشركات التكنولوجيا الكبرى وأي إيرادات مرتبطة بها، أن المستثمرين سيتعين عليهم الاستعداد للانتظار لسنوات لتحقيق عوائد ملموسة على استثماراتهم، خصوصًا وسط تراجعات حديثة قادها قطاع الذكاء الاصطناعي أثبتت تقلب مزاج السوق.

