أكّد عبد الملك البراوي مؤسس SolvFast Technology أنّ السيادة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد ترتبط بمكان تخزين البيانات أو امتلاك مراكز الحوسبة فقط، بل باتت تتمثل في “طبقة التحكم” والقدرة على استمرارية التشغيل.
وأوضح في حوار لمنصة “تكنولدج” أن بناء النماذج الضخمة تعد معركة رأس مال محسومة للشركات العالمية؛ والبديل السيادي للشركات والدول هو بناء نماذج محلية مخصصة (كالاستخدامات الحكومية واللغة العربية) مع الامتلاك الكامل لطبقة الأمان، التوجيه، والحوكمة، وإلى نصّ الحوار كاملًا..
كيف تغيّر مفهوم السيادة الرقمية مع صعود الذكاء الاصطناعي؟
المفهوم لم يتغيّر، لكن موقعه تغيّر تمامًا؛ فلسنوات كانت السيادة الرقمية تُختصر في سؤال واحد: أين تُخزَّن البيانات؟ وكان هذا كافيًا إلى حد كبير، لأن البرمجيات التي نشتريها كانت تعمل على خوادمنا. كنت تملك نسخة لتشغيلها لديك.
لكن مع الذكاء الاصطناعي انكسر هذا المنطق؛ فالنموذج لا يعمل عندك، بل تُرسَل إليه بياناتك ليعالجها في مكان آخر، ثم يعود إليك بقرار أو توصية أو نص يدخل في عملك اليومي، أي أنك لم تعد تستضيف أداة، بل صرت تستأجر عقلًا يقع خارج حدودك.
وهنا انتقلت السيادة من طبقة التخزين إلى طبقتين أعمق: أين تتم المعالجة؟ ومن يملك حق إيقافها؟
الطبقة الثانية هي الأخطر؛ فحين طُلب من «مايكروسوفت» في فبراير الماضي تصحيح شهادتها أمام البرلمان البريطاني بشأن قطع الخدمة عن مسؤول في المحكمة الجنائية الدولية، لم تكن القضية أين كانت البيانات؛ بل كانت: من يملك القرار حين تتغير الظروف السياسية؟ والسيادة اليوم ليست ملكية البيانات؛ بل إنها القدرة على الاستمرار في التشغيل.
إلى أي مدى تمثل البيانات ومكان معالجتها قضية استراتيجية؟ وهل امتلاك البنية التحتية للحوسبة جزء من السيادة؟
نعم، البنية التحتية جزء أصيل من السيادة؛ لكنها شرط ضروري وغير كافٍ، وهذا التمييز مهم لأن كثيرًا من الإنفاق الإقليمي يتوقف عند نصف الطريق.
مركز البيانات يمنحك السيطرة على الطبقة الأولى: أين تقع البيانات فعليًا؛ لكن إن كان النموذج الذي يعالجها أجنبيًا، وطبقة التنسيق التي تربطه بأنظمتك أجنبية، وسياسة الاستخدام تُدار من لوحة تحكم خارج بلدك؛ فأنت تملك المبنى وتؤجّر ساكنه.
مصر مثال جيد على هذا التوتر، موقعها يمرّر أكثر من 90% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا، وهذا أصل استراتيجي حقيقي، لكن الممر يجني رسوم عبور، بينما المركز يجني قيمة المعالجة، والانتقال من الأول إلى الثاني هو بالضبط ما تحاول الاستراتيجية الموحدة لمراكز البيانات تحقيقه.
والقيد الحقيقي هنا ليس رأس المال ولا الأرض، بل الطاقة؛ فأي حديث جاد عن سيادة حوسبية في المنطقة هو في جوهره حديث عن ميجاوات متاحة ومستقرة وبسعر تنافسي.
كيف تقيّمون السباق الإقليمي؟ وهل المنطقة تتحرك بالسرعة الكافية؟
المنطقة تتحرك بسرعة كبيرة في طبقة واحدة، وببطء ملحوظ في الطبقة التي تحدد العائد.
في البنية التحتية ورأس المال، الأداء الخليجي عالمي المستوى فعلًا. السعودية أعلنت 2026 «عامًا للذكاء الاصطناعي» ومعها نحو 40 مركز بيانات وتمويلات تجاوزت 9 مليارات دولار للقطاع، والإمارات تبني قدرات حوسبية بمقياس عالمي عبر «ستارجيت» و«G42»؛ فهذا السباق يقاس نتائجه بالجيجاوات، والخليج يكسبه.
لكن هناك فجوة بين الجيجاوات المُعلنة والقدرة التي تستطيع المؤسسات فعليًا استخدامها؛ فالمؤسسة المتوسطة في القاهرة أو الرياض لا يعطّلها نقص الحوسبة، بل عدم قدرتها على إثبات أن نشر الذكاء الاصطناعي عندها آمن وقابل للتدقيق؛ لذا فإن مشاريع كثيرة تموت في مرحلة المراجعة القانونية، لا في مرحلة النموذج.
وأضيف ملاحظة أراها مقلقة: كل دولة تبني منظومتها منفردة؛ إذ لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات عربية مشتركة، ولا معايير حوكمة متبادلة الاعتراف؛ إذ إننا نتنافس على البنية التحتية بينما الأصل الوحيد الذي يستحيل على غيرنا بناؤه وهو اللغة والمحتوى العربي يُترك مجزّأ.
هل نحتاج نماذج محلية، أم تكفي السيطرة على البنية التحتية والبيانات وطريقة استخدام النماذج العالمية؟
هذا السؤال هو أكثر الأسئلة كلفةً حين يُطرح بصيغة «إما/أو»، وبناء نموذج حدودي منافس هو لعبة رأس مال قبل أن يكون لعبة هندسة، وقليل من الدول تستطيع دخولها بعائد معقول.
ومن يبني نموذجًا وطنيًا ثم يتوقف يكتشف بعد 18 شهرًا أنه يملك أصلًا مستهلكًا؛ فالنماذج تتقادم بسرعة؛ البيانات والحوكمة والتكامل مع الأنظمة تتراكم قيمتها مع الوقت.
لذلك أرى التقسيم على النحو التالي: نحتاج نماذج محلية في المساحات التي لن يخدمها أحد نيابة عنا كاللغة العربية بلهجاتها، والمستندات الحكومية، والمجالات شديدة الحساسية، ولا نحتاجها في المساحات التي يتنافس فيها العالم بشراسة ويهبط سعرها كل شهر.
أمّا الطبقة التي يجب أن نملكها بالكامل، فهي طبقة التحكم: من يقرر أي نموذج يُستخدم لأي بيانات، وتحت أي صلاحيات، وبأي سجل، فالسيادة ليست أن أملك النموذج؛ بل أن أستطيع تبديله دون أن تتوقف أعمالي.
ما أكبر فجوة في السوق العربي: البنية التحتية، البيانات، الكفاءات، التشريعات، أم نماذج الأعمال؟
من موقعنا كشركة تعمل مع مؤسسات فعلية، الترتيب مختلف عن الترتيب الشائع، فالفجوة الأولى هي البيانات لا كمًّا، بل جاهزية؛ فمعرفة المؤسسة العربية موزّعة بين ملفات PDF ممسوحة ضوئيًا، ومحادثات واتساب، وخبرة في رؤوس الموظفين، والذكاء الاصطناعي لا يستطيع الاستناد إلى ما لم يُوثَّق أصلًا؛ فأغلب مشاريعنا يبدأ بترتيب هذه الفوضى قبل أي حديث عن نموذج.
الفجوة الثانية ليست نقص كفاءات، بل سوء توزيعها؛ إذ نمتلك مهندسين ممتازين، لكن قلة منهم شغّلت ذكاءً اصطناعيًا في بيئة إنتاج محكومة، وبموافقات وسجلات ومسؤولية عن الخطأ، لذا فإن الفارق بين النموذج التجريبي والنظام المسؤول هو الخبرة التي ينقصنا تراكمها.
أما التشريعات فأراها تتحرك أسرع مما يُقال: اللائحة التنفيذية لقانون البيانات المصري صدرت، ومهلة توفيق الأوضاع تنتهي في نوفمبر، المشكلة ليست غياب القانون، بل غياب الأدوات التي تجعل الامتثال قابلًا للتنفيذ تقنيًا، وهذه بالتحديد المساحة التي بنينا فيها «Senaiy Lab».
كيف يمكن للشركات الناشئة أن تلعب دورًا في بناء منظومة أكثر سيادة، بدلًا من أن تظل مستخدمًا للتقنيات العالمية؟
بأن تتوقف عن منافسة العمالقة في طبقتهم، وتبني في الطبقة التي لا يستطيعون خدمتها. ولن تفوز شركة ناشئة عربية بتدريب نموذج أكبر فهذه معركة رأس مال محسومة، لكن بين المؤسسة والنموذج توجد طبقة تحكم كاملة: من يوجّه أي طلب إلى أي نموذج، وأي بيانات يُسمح بخروجها، وأي إجراء يحتاج موافقة بشرية، وكيف يُسجَّل كل ذلك بشكل قابل للتدقيق.
فهذه الطبقة هي التي تُنفَّذ فيها السيادة عمليًا، ولا يوجد حافز لدى مزوّد عالمي لبنائها بشكل يقيّده هو.
والميزة التنافسية الحقيقية هنا محلية بطبيعتها: فهم اللغة العربية في مستندات حقيقية لا في اختبارات، ومعرفة أنظمة تخطيط الموارد التي تشغّل السوق فعلًا، وقراءة دقيقة للائحة التنفيذية المصرية أو متطلبات «سدايا».
هذا ما نبنيه في «Senaiy Lab»: منصة تجعل الحوكمة مسار الكود لا بندًا في وثيقة، والمنظومة السيادية لا تُبنى بشركة واحدة، بل بعشرات الشركات التي تشتغل في هذه الطبقة بدل أن تعيد بيع ما تشتريه.
مع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى وكلاء ينفّذون مهام، هل ستصبح السيادة مرتبطة بالتحكم في صلاحيات هذه الأنظمة؟
أعتقد أن هذا لن يكون جزءًا من التعريف فحسب، بل سيصبح جوهره. حين كان النموذج يجيب عن سؤال، كانت المخاطرة معلوماتية: إجابة خاطئة يصححها الموظف؛ أمّا الوكيل الذي ينشئ أمر شراء، أو يحدّث سجلًا في نظام تخطيط الموارد، أو يرسل رسالة باسم المؤسسة، فهو لا يقدّم معلومة؛ بل إنه يتصرف.
وما إن يتصرف طرف داخل مؤسستك، حتى يصبح كيانًا له صلاحيات، ويخضع لما يخضع له أي موظف: تفويض محدد، ومساءلة، وسجل.
عندها تصبح الأسئلة السيادية عملية جدًا: ما القائمة المحددة لما يُسمح لهذا الوكيل بفعله؟ أي إجراء يتوقف انتظارًا لموافقة إنسان باسم معلوم؟ وهل يستطيع أحد تعديل السجل بأثر رجعي؟ وهل زر الإيقاف الطارئ قيد تقني في المنظومة، أم مكالمة هاتفية مع مزوّد في قارة أخرى؟
وأضيف نقطة أراها ستكبر سريعًا: سجل التدقيق نفسه سيصبح أصلًا سياديًا؛ فالمؤسسة التي لا تستطيع إثبات ما فعله نظامها لا تملكه فعليًا.
كيف ترون خريطة السيادة الرقمية في المنطقة بعد خمس سنوات؟ وأين تتموضع مصر؟
أتوقع أن تستقر الخريطة على تخصص واضح، وأن يكون هذا في مصلحة الجميع إن أُحسنت قراءته. الخليج سيكون طبقة الحوسبة الإقليمية؛ لأن معادلة الطاقة ورأس المال محسومة لصالحه، ولا معنى لأن تنافسه دول أخرى على الجيجاوات.
وستظهر خلال هذه الفترة معايير إقامة بيانات إقليمية وتقارب تنظيمي، ببساطة لأن الشركات متعددة الجنسيات ستضغط لتفادي بناء منظومة منفصلة لكل دولة.
موضع مصر الطبيعي ليس في سباق البناء، بل في طبقة التطبيقات والكفاءات؛ فعندنا أكبر تجمّع هندسي في المنطقة، وسوق محلي كبير ومعقّد بما يكفي ليكون ميدان تدريب حقيقي، والبرمجيات التي تُختبر في بيئة صعبة تُصدَّر أسهل.
أراها مرشحة لأن تكون المكان الذي تُبنى فيه برمجيات الذكاء الاصطناعي العربية، وتُشغَّل على حوسبة خليجية، وتُصدَّر إلى أفريقيا والشام.
والخطر الذي أخشاه أن نكتفي بالمنافسة على الاستضافة؛ والاستضافة سلعة هامشية الربح، سعرها ينخفض باستمرار، أمّا البرمجيات والحوكمة والخبرة التطبيقية فأصول تتراكم قيمتها، ومصر تملك مقومات الثانية أكثر مما تملك مقومات الأولى، والاختيار بينهما هو قرار العقد المقبل.

