
كشفت جلسة استماع قضائية عقدت في مدينة سان فرانسيسكو عن تفاصيل مثيرة للجدل تتعلق بتسوية محتملة لإنهاء نزاع مكافحة الاحتكار الطويل بين عملاق الألعاب “إيبك جيمز” وشركة “جوجل”؛ في تطور لافت قد يغير مسار واحدة من أشرس المعارك التقنية والقانونية في العقد الأخير.
وأماطت المحكمة اللثام عن مفاوضات تجارية ضخمة وغير معلنة سابقًا، تشير إلى تحول جذري في العلاقة بين الخصمين اللدودين، مما أثار شكوكًا قضائية حول ما إذا كانت هذه “الشراكة الجديدة” قد صُممت لشراء صمت “إيبك” وتخفيف مطالبها بإصلاح شامل لنظام “أندرويد”.
وقد أعرب قاضي المقاطعة جيمس دوناتو الذي يشرف على القضية، عن قلقه الصريح وتوجسه من طبيعة الاتفاق الجديد الذي يلوح في الأفق.
وأشار القاضي خلال استجوابه للشهود إلى أن الصفقة تتضمن بنودًا تشير إلى “تطوير مشترك للمنتجات”، و”التزام تسويقي مشترك”، بالإضافة إلى “شراكات مشتركة”.
وتكمن مخاوف القاضي الأساسية في أن هذا التحالف التجاري، الذي سيجعل “إيبك” تساعد “جوجل” في تسويق نظام “أندرويد”، بينما تبدأ “جوجل” في استخدام تقنيات “إيبك” الأساسية بشكل موسع، قد يكون بمثابة “مقايضة” تهدف إلى حماية مصالح “جوجل” الاحتكارية مقابل منح امتيازات خاصة لشركة “إيبك”، وهو ما قد يفرغ قضية مكافحة الاحتكار من مضمونها.
وفي محاولة لسبر أغوار هذه الصفقة التي ظلت طي الكتمان، سمح القاضي دوناتو للطرفين بالإبقاء على معظم التفاصيل سرية، لكنه لم يتردد في طرح أرقام وحقائق محددة وضعت الشهود، بمن فيهم تيم سويني الرئيس التنفيذي لشركة “إيبك”، والخبير الاقتصادي دوج بيرنهيم، تحت ضغط كبير.
وقد كشف القاضي عن رقم مالي ضخم يوضح حجم المصالح المتبادلة، مشيرًا إلى “إنفاق بقيمة 800 مليون دولار على مدى 6 سنوات”، واصفًا إياه بأنه “شراكة صحية للغاية”.
وقد تبين لاحقًا أن هذا المبلغ يشير إلى التزام من جانب “إيبك” بإنفاق هذه الأموال لشراء خدمات تقنية من “جوجل”، في تحول استراتيجي لافت لشركة طالما وقفت في وجه سياسات عملاق البحث.
ومن جانبه، قدم تيم سويني شهادة حاولت تفكيك الغموض المحيط بالصفقة، وإن كان قد زل لسانه ببعض التفاصيل السرية؛ فقد أشار سويني إلى أن الاتفاق يتعلق بمفهوم “الميتافيرس”، وهو المصطلح الذي يستخدمه غالبًا للإشارة إلى منظومة لعبة “فورتنايت” المتطورة.
وأوضح سويني أن تقنيات “إيبك”، وتحديدًا محرك “أنريل”، تُستخدم من قبل العديد من الشركات في المساحات التي تعمل فيها “جوجل” لتدريب منتجاتها، مما يمنح “جوجل” القدرة على استخدام هذا المحرك بشكل أكثر شمولًا.
وقد استدرك سويني حديثه معتذرًا عن “كشف السرية”، لكنه أكد في الوقت ذاته أن “إيبك” قررت هذا العام استخدام خدمات “جوجل” بأسعار السوق، خلافًا للسنوات السابقة التي قرروا فيها عكس ذلك.
ورغم ذلك، حاول سويني دحض فكرة أن الشركتين تقومان ببناء منتج جديد وموحد معًا، موضحًا ردًا على استفسار القاضي حول عبارة “جوجل وإيبك سيعملان معًا” الواردة في ورقة الشروط، أن الأمر يتعلق ببناء كل شركة لخطوط منتجاتها بشكل منفصل.
وفي مواجهة مباشرة مع شكوك القاضي حول وجود “رشوة مقنعة” أو “مقايضة” لتليين مواقف “إيبك” التفاوضية التي تهدف إلى خفض رسوم المتاجر والسماح بالمتاجر البديلة عالميًا، دافع سويني بشراسة عن نزاهة الاتفاق، قائلًا: “لا أرى أي شيء ملتوٍ في أن تقوم إيبك بالدفع لجوجل لتشجيع منافسة أكثر قوة مما سمحوا به في الماضي”.
واعتبر سويني أن ما يحدث هو “نقل كبير للقيمة من إيبك إلى جوجل”، وليس العكس، نافيًا أن يحصل متجر “إيبك” على أي معاملة تفضيلية حصرية بموجب هذا الاتفاق.
وعلى صعيد التحليل الاقتصادي للصفقة، وجه القاضي أسئلة دقيقة للخبير الاقتصادي دوج بيرنهيم، لانتزاع اعتراف بأن هذه العلاقة التجارية لم تكن لتنشأ لولا التسوية القضائية، وعندما سأله القاضي: “ستقومون بمساعدة جوجل في تسويق أندرويد، وسيقومون هم بمساعدتكم في تسويق فورتنايت؛ هذه الصفقة غير موجودة اليوم، أليس كذلك؟”، أجاب بيرنهيم بالإيجاب، واصفًا الأمر بأنه “عمل تجاري جديد بين إيبك وجوجل”.
وأثار هذا الربط الوثيق بين التسوية القانونية والصفقة التجارية الريبة في أن الحلول المقترحة لإنهاء النزاع قد تكون مشروطة بتحقيق مصالح تجارية خاصة للطرفين، بعيدًا عن مصلحة السوق العام.
ويبدو أن هذه التطورات تضع مصداقية شركة “إيبك” وقيادتها على المحك، خاصة في ظل التصريحات السابقة لتيم سويني؛ ففي عام 2023، وعقب انتصار قضائي سابق، صرح سويني لموقع “ذا فيرج” بأن شركته “دائمًا ما رفضت الصفقات الخاصة الموجهة فقط لإيبك”، مؤكدًا أنهم يحاربون من أجل مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المطورين.
وبحسب موقع “ذا فيرج” فإنّه مع اعتراف سويني بأن التسوية وهذه الصفقة التجارية تعد “جزءًا مهمًا من خطة نمو إيبك للمستقبل”، يظل السؤال المفتوح أمام القضاء والمراقبين: هل تحولت معركة المبادئ إلى صفقة تبادل مصالح بـ800 مليون دولار، وهل ستمرر المحكمة هذه التسوية إذا ثبت أنها تحابي طرفًا على حساب هيكلة السوق العادلة؟




