المصرية للاتصالات Cairo ICT 2024
المصرية للاتصالات Cairo ICT 2024
إعلان إي فينانس

إيران خارج الشبكة.. قطع الإنترنت سلاح السلطة في مواجهة احتجاجات غير مسبوقة

شهدت إيران خلال الأيام الماضية انقطاعًا واسعًا وشاملاً لخدمات الإنترنت والاتصالات الرقمية، في خطوة تزامنت مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها الجغرافية، ما أعاد إلى الواجهة استخدام قطع الشبكات كأداة أمنية للسيطرة على الشارع والحد من تدفق المعلومات داخليًا وخارجيًا.

وأكدت مجموعة “نتبلوكس” المتخصصة في مراقبة الإنترنت، في تقارير متطابقة نشرتها منذ الخميس 8 يناير 2026، أن البيانات الحية أظهرت انقطاعًا شبه كامل للاتصال بالإنترنت في جميع أنحاء إيران، مع تراجع مستوى الاتصال إلى نحو 1% فقط من المعدلات الطبيعية، ما يعني فعليًا فصل البلاد عن الشبكة العالمية.

وأفادت مجموعة نتبلوكس، استنادًا إلى بيانات رادار كلاودفلير، بأن شبكات الهاتف المحمول الإيرانية قُطعت عن الإنترنت الدولي بشكل كامل، وهو ما منع المستخدمين من الوصول إلى المواقع والتطبيقات العالمية، في وقت كانت فيه الاحتجاجات تدخل يومها الثاني عشر.

وتزامن الانقطاع مع تصاعد غير مسبوق في الاحتجاجات التي اندلعت منذ 28 ديسمبر الماضي، على خلفية الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية وتدهور القدرة الشرائية، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل شعارات سياسية مناهضة للسلطات، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي.

وبدأت التحركات بإضراب نفذه تجار في بازار طهران، احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية في ظل العقوبات الأمريكية والدولية، ثم امتدت إلى مدن عدة، خصوصًا في غرب البلاد حيث تتركز تجمعات الأقليتين الكردية واللرية.

ومع مرور الأيام، تحولت الاحتجاجات إلى تحدٍ سياسي مباشر للنظام، ووصفتها منظمات حقوقية بأنها الأوسع منذ احتجاجات عامي 2022 و2023 التي أعقبت وفاة مهسا أميني.

دور الإنترنت في الحراك

واعتمد المحتجون بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي لتبادل المعلومات ونشر مقاطع مصورة من الشوارع، ما جعل الإنترنت أداة محورية في تنظيم التحركات.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، لجأت السلطات إلى ما وصفته مجموعة مراقبة الانترنت “نتبلوكس” بسلسلة إجراءات رقابة رقمية، أفضت إلى انقطاع شامل في خدمات الإنترنت، بهدف عرقلة التواصل ومنع توثيق ما يحدث على الأرض.

وأكدت تقارير من منصات مثل “بلومبيرج” و”دويتشه فيله” أن قطع الإنترنت ترافق أيضًا مع تقييد خدمات الهاتف الأرضي والمكالمات الدولية والرسائل النصية، فيما توقفت قنوات رسمية وشبه رسمية على تطبيق “تيليجرام” عن النشر لساعات طويلة.

وأعلنت وزارة الاتصالات الإيرانية لاحقًا أن قرار قطع الإنترنت صدر عن الجهات الأمنية المختصة، في حين أكد مجلس الأمن القومي الإيراني أن القوات الأمنية والقضائية “لن تتساهل مع المخربين”، معتبرين أن ما يجري يرتبط بمحاولات تخريبية مدعومة من الخارج.

وخرج المرشد الأعلى علي خامنئي بتصريحات توعد فيها من وصفهم بـ”مرتزقة الأجانب”، معتبرًا أنهم يحطمون ممتلكات بلادهم لإرضاء أطراف خارجية، داعيًا إلى وحدة الصف الداخلي.

كما دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى “أقصى درجات ضبط النفس” والحوار، في موقف بدا أقل حدة مقارنة بخطاب الأجهزة الأمنية.

وجاء انقطاع الإنترنت في وقت تشهد فيه المنطقة توترًا متزايدًا، بعد حرب استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي، واستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاحتجاجات ليطلق تحذيرات شديدة اللهجة لطهران، ملوحًا بضربة “قوية جدًا” إذا لجأت السلطات إلى قمع دموي.

في المقابل، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاحتجاجات، واصفًا إياها بلحظة حاسمة، ما عزز من مخاوف السلطات الإيرانية من تداخل العوامل الداخلية والخارجية.

وليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها إيران إلى قطع الإنترنت خلال فترات الاضطراب، إذ سبق أن استخدمت الإجراء ذاته في احتجاجات 2009 و2019 و2022، في محاولة للسيطرة على السرد الإعلامي ومنع توثيق الانتهاكات.

ويرى مراقبون أن هذه السياسة، رغم فعاليتها الأمنية المؤقتة، تزيد من عزلة البلاد وتعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.

ويعكس انقطاع الإنترنت في إيران أكثر من مجرد إجراء تقني، إذ يمثل أحد أبرز مظاهر المواجهة بين سلطة تسعى إلى ضبط الشارع بالقوة والرقابة، وحراك شعبي يعتمد على الاتصال المفتوح كوسيلة للتنظيم وإيصال صوته، في أزمة مرشحة لمزيد من التصعيد مع استمرار الأسباب الاقتصادية والسياسية التي أشعلتها.

اترك تعليقا