بدأت أروقة وول ستريت تستوعب واقعًا اقتصاديًا جديدًا ومقلقًا، مفاده أن شركات التكنولوجيا العملاقة «العظماء السبعة» لم تعد بمثابة “آلات لطباعة الأموال” كما عهدها المستثمرون؛ فقد ضربت المخاوف الناجمة عن نتائج أعمال شركتي “ألفابت” و”تسلا” سائر أسهم التكنولوجيا الكبرى خلال تعاملات الخميس الماضي، حيث ركز المستثمرون أنظارهم بحدة على التداعيات العميقة لتصاعد الإنفاق الرأسمالي، مما وجه ضربة موجعة للتداولات والرهانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتُرجم هذا القلق إلى نزيف حاد في المؤشرات والأسهم؛ إذ هوى سهم “ألفابت” بنسبة 7%، مكبدًا الشركة خسارة فاقمت 293 مليار دولار من قيمتها السوقية، وهو أكبر تراجع يومي للقيمة السوقية في تاريخها على الإطلاق.
وفي موازاة ذلك، هوى سهم “تسلا” بنسبة 15%، مسجلًا أسوأ أداء له عقب إعلان الأرباح في تاريخ الشركة.
ولم تقف عدوى المبيعات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل أسهم تكنولوجيا أخرى، حيث انخفض سهم “ميتا بلاتفورمز” بنسبة 3.4%، وتراجع سهم “أوركل” بنسبة 4.6%.
ونتيجة لهذه الموجة البيعية، محت مجموعة “العظماء السبعة” ما يقرب من 890 مليار دولار من قيمتها السوقية المجتمعة، في أكبر انخفاض يومي شهدته الأسواق منذ أزمة الرسوم الجمركية في أبريل 2025، في حين هبط مؤشر “ناسداك المجمع” بنسبة 2.2%.
إنفاق خيالي على الذكاء الاصطناعي
ورغم أن كلتي الشركتين، “ألفابت” و”تسلا”، أعلنتا عن نمو قوي وتحليق في إيراداتهما، إلا أن اهتمام المستثمرين انصب بالكامل على أرقام الإنفاق المليارية على الذكاء الاصطناعي؛ لتصبح العبارة الأكثر تداولًا وإثارة للقلق في أوساط السوق هي “التدفق النقدي الحر” والذي تحول إلى النطاق السلبي (الأحمر) لدى الشركتين.
وسجلت “ألفابت” تدفقًا نقديًا حرًا سلبياً بقيمة 5.9 مليار دولار، وهي المرة الأولى التي تدخل فيها هذه العوائد النطاق السلبي منذ طرح الشركة للاكتتاب العام في عام 2004.
وحذر المدير المالي للشركة من أن التدفق النقدي الحر سيظل تحت وطأة الضغوط الطويلة، في ظل تعميق الشركة لاستثماراتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، رافعةً توقعاتها للإنفاق الرأسمالي خلال هذا العام ليتجه نحو حاجز 205 مليارات دولار.
وفي سياق متصل، تنفق “تسلا” مبالغ طائلة لتمويل تحولها الاستراتيجي نحو المركبات ذاتية القيادة والروبوتات، ويشمل ذلك بناء منشأة ضخمة لتصنيع الرقائق الإلكترونية تحمل اسم “تيرافاب” والتي تطورها الشركة بالشراكة مع عملاق الرقائق “إنتل” وشركة الفضاء “سبيس إكس” المملوكة لإيلون ماسك.
ولا تقتصر أزمة السيولة على هذا الثنائي؛ إذ تشير توقعات المحللين الذين شملهم استطلاع شركة “فاكت ست” إلى أن شركة “ميتا بلاتفورمز” ستسجل بدورها تدفقًا نقديًا حرًا سلبيًا عند كشفها عن نتائج أعمال الربع الثاني الأسبوع المقبل.
أمازون على الطريق
ويمتد التوقع ذاته ليشمل عملاق التجارة الإلكترونية “أمازون”، المقررة إفصاحاتها المالية الأسبوع المقبل أيضًا، والتي كانت قد شهدت بالفعل انزلاق تدفقاتها النقدية الحرة إلى النطاق الأحمر خلال الربع الأول من العام.
وتمر أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، التي اشتهرت تاريخيًا بتوليد عوائد نقدية وفيرة والحفاظ على ميزانيات عمومية فائقة الاستقرار، بمرحلة تحول جذرية؛ حيث رهنت جميعها مستقبلها إلى حد كبير على تصاعد استخدامات الذكاء الاصطناعي، ضاخّة استثمارات هائلة في مراكز البيانات الكفيلة بتوفير القدرات الحوسبية اللازمة لمعالجة استعلامات الذكاء الاصطناعي.
مستويات غير مسبوقة من الديون
ولتمويل خطط البنية التحتية هذه، تراكم تلك الشركات مستويات غير مسبوقة من الديون؛ فبالتزامن مع ذلك، تبرز تهديدات إضافية تتمثل في أنظمة الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر والأرخص تكلفة، والتي تهدد نماذج أعمال مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة التي تقود احتياجاتها الهائلة للرقائق والحوسبة نحو إنفاق فائق السعة.
ووسط هذه المعادلة المعقدة –بحسب وول ستريت جورنال- تقف شركة “مايكروسوفت” -التي تتوقع مضاعفة إنفاقها الرأسمالي خلال العام المالي الجاري- وحيدة ومغردة خارج السرب بين كبار المنفقين على الذكاء الاصطناعي، حيث تظل الوحيدة القادرة على توليد تدفق نقدي إيجابي، وسط توقعات بتحقيقها أكثر من 16 مليار دولار خلال ربع يونيو الماضي، وفقاً لبيانات “فاكت ست”.
قلق المستثمرين
وتعليقاً على هذا المشهد، وجه مايك أورورك، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة “جونز تريدينج” تحذيرًا شديد اللهجة قائلًا: “يساور المستثمرين قلق حقيقي من أن هذه الشركات بصدد تدمير بعض من أنجح نماذج الأعمال وأكثرها قابلية للتوسع وملاءمة للمستثمرين التي شهدها سوق الأسهم على الإطلاق.. هذا الأمر يجب أن يدق ناقوس الخطر”.
ويُعَرَّف التدفق النقدي الحر بأنه الأموال المتبقية لدى الشركات بعد سداد النفقات التشغيلية وإجراء الاستثمارات الرأسمالية الضخمة، وهو يختلف جوهريًا عن صافي الأرباح الذي يوزع تكلفة الاستثمارات الكبرى على عدة سنوات عبر آليات الإهلاك والإطفاء.
ويرى محللون أن التدفق النقدي الحر يوفر صورة أكثر وضوحًا ودقة -وإن كانت متقلبة- لحجم النقد المتاح فعليًا للأنشطة التي يفضلها المستثمرون، مثل توزيعات الأرباح وبرامج إعادة شراء الأسهم.
لقد كان هذا المؤشر المالي لعقود بمثابة خط الدفاع الرئيسي ضد المخاوف المتعلقة بجدوى الإنفاق على الذكاء الاصطناعي؛ فكلما عقد المشككون مقارنات بين الجنون التقني الحالي فقاعة “دوت كوم” في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، سارع المستثمرون المتفائلون إلى التأكيد على أن طفرة الإنفاق اليوم تمولها شركات راسخة ذات ميزانيات حصينة وجبال من النقد السائل؛ أمَّا اليوم، ومع انكماش تلك الاحتياطيات النقدية، يبدو أن صبر المستثمرين على موجة الإنفاق الأسطورية في وادي السيليكون بصدد التعرض لاختبار قاسي.

