تكشف عمالقة التكنولوجيا الكبرى فصليًّا عن نفقاتها الرأسمالية الضخمة المخصصة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتي تشمل بناء مراكز البيانات وشراء الرقائق المتقدمة؛ غير أن هذه الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للإنفاق المستقبلي الذي التزمت به شركات عملاقة مثل “ألفابت” و”ميتا” و”أوراكل” وغيرها، نظرًا لوجود شريحة واسعة من الالتزامات الماليّة المقبلة غير المدرجة في ميزانياتها العمومية.
وبحسب تحليل لصحيفة “وول ستريت جورنال” استند إلى هوامش الإفصاحات الماليّة الأخيرة، تراكمت لدى تسع شركات تكنولوجية كبرى التزامات غير مدرجة في الدفاتر بلغت قيمتها نحو 3 تريليونات دولار، ترتبط في الغالب بقطاع الذكاء الاصطناعي.
وتنمو هذه الالتزامات بوتيرة تفوق النفقات الرأسمالية التقليدية، التي بلغت تقريباً 600 مليار دولار خلال العام الماضي، كما أنها تعادل نحو ثلاثة أضعاف ما تدين به هذه الشركات بموجب عقود الإيجار الحالية وقروضها طويلة الأجل.
وتضع شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى هذه الرهانات الماليّة الضخمة استنادًا إلى توقعات متفائلة بشأن حجم الطلب المستقبلي على حوسبة الذكاء الاصطناعي، ومدى توفر الأجهزة اللازمة لذلك خلال السنوات القليلة المقبلة.
وتأمل هذه الكيانات في تغطية كافة التزاماتها بسهولة من خلال الإيرادات المستقبلية، معتمدة على التوسع الشامل في تبني الأفراد والشركات لتقنيات الذكاء الاصطناعي في شتى مجالات الحياة، ولكن في حال لم تتحقق هذه الافتراضات التكنولوجية والتجارية، فإن هذه الصفقات الاستباقية لضمان القدرة الاستيعابية المستقبلية قد تتحول إلى عبء ماليّ هائل يثقل كاهل الشركات ومستثمريها على حد سواء.
ويُعد مشروع مركز بيانات “هايبريون” العملاق التابع لشركة “ميتا” في ولاية لويزيانا، والذي يمتد على مساحة توازي نحو 1700 ملعب كرة قدم، مثالًا حيًّا يوضح كيف تبقى الالتزامات الضخمة خارج الميزانيات العمومية، فقد وافقت الشركة مبدئيًّا على استئجار المشروع لمدة أربع سنوات بدءًا من عام 2029، مع خيارات تمديد تصل إلى 20 عامًا، وقدمت ضمانات بتعويض حاملي السندات بالكامل في حال عدم استكمالها لعقدي الإيجار.
وتقول “وول ستريت جورنال”: بما أن “ميتا” تستبعد الحاجة إلى تفعيل هذه الضمانات، لم تسجل أي التزامات ماليّة بهذا الشأن في ميزانيتها؛ وتماشيًا مع المعايير المحاسبية، ستظل التزامات إيجار المشروع، التي تقدر مبدئيًّا بنحو 12.3 مليار دولار، خارج الميزانية حتى يبدأ سداد الإيجار الفعليّ؛ لكن في المجمل، أفصحت “ميتا” حتى شهر يونيو الماضي عن التزامات إجمالية بقيمة 347 مليار دولار لعقود إيجار لم تدخل حيز التنفيذ بعد”.
وعلى مستوى الشركات التسع التي شملها التحليل، والتي تتضمن إلى جانب “ميتا” كلاً من “ألفابت” و”أمازون” و”مايكروسوفت” و”أوراكل” و”إنفيديا” و”برودكوم” و”سبيس إكس” و”أدفانسد مايكرو ديفايسز”، بلغ إجمالي الوعود بالدفع بموجب عقود إيجار لم تبدأ بعد نحو 1.2 تريليون دولار كالتزامات غير مدرجة في الميزانية، وهو ما يمثل أربعة أضعاف الرقم المسجل في العام السابق.
وإلى جانب العقارات، تتطلب مراكز البيانات تجهيزات هائلة من الأجهزة، ولا سيما رقائق “إنفيديا” المستخدمة في تدريب النماذج وتشغيلها، بالإضافة إلى رقائق الذاكرة المتطورة.
ولتأمين هذه المعدات، تبرم الشركات اتفاقيات تعاقدية طويلة الأجل في وقت مبكر جدّاً لضمان الحصول على الإنتاج من مورديها، ما رفع إجمالي التزامات الشراء لدى هذه الشركات إلى مستوى قياسيّ بلغ 1.9 تريليون دولار، وهي التزامات تظل محاسبيّاً خارج الميزانية العمومية حتى يتم التسليم الفعليّ للمنتجات أو الخدمات.
وفي السياق ذاته، شهدت التزامات الشراء والتعاقدات الخاصة بشركة “ألفابت” قفزة هائلة لتصل إلى 811 مليار دولار بنهاية يونيو، مقارنة بنحو 332 مليار دولار قبل ثلاثة أشهر فقط، دون توضيح مفصل لأسباب هذه الزيادة الحادة.
واكتفت الشركة بالإشارة إلى أن هذه الالتزامات تتعلق بشكل أساسيّ بالبنية التحتية التقنية والمخزون، إلى جانب اتفاقيات لتأمين الطاقة لمراكز البيانات تمتد التزاماتها حتى عام 2054.
ولا تقتصر الالتزامات المخفية على ذلك، بل تمتد لتشمل أشكالاً أخرى، مثل الاتفاقيات المستقبلية لشراء أسهم في شركات أخرى أو تقديم ضمانات دعم لعقود إيجار تخص مستأجرين آخرين؛ حيث التزمت “إنفيديا”، على سبيل المثال، بضخ استثمارات في الأسهم بقيمة 27 مليار دولار بين 26 أبريل ونهاية سنتها الماليّة في يناير 2027.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، تسود حالة من التفاؤل بين بعض المستثمرين الذين يرون أن الطلب المتفجر على أدوات الذكاء الاصطناعي، والذي أنعش سوق الأسهم وتسبب في نقص حاد في الأجهزة الأساسية، يمثل دليلاً قاطعاً على استدامة الطلب لسنوات مقبلة، ما يضمن تدفق الأموال اللازمة لتسديد هذه الفواتير.
وفي المقابل، تثير هذه المؤشرات قلق شريحة أخرى في أوساط المال والأعمال، إذ يُنظر إلى لجوء شركات التكنولوجيا، التي كانت تتمتع بميزانيات ماليّة بالغة القوة، إلى أسواق رأس المال بشكل متكرر كعلامة تحذيرية، ومما يعزز هذه المخاوف تسجيل شركتي “ألفابت” و”أمازون” مؤخراً تدفقات نقدية حرة سلبية، مما يعني أن إنفاقهما الرأسماليّ تجاوز النقد الفعليّ المتدفق من عملياته التشغيلية الأساسية.
وتتفاقم المخاطر الماليّة عند الأخذ في الحسبان التداعيات المحتملة لهذه التريليونات من الالتزامات المخفية؛ فالطبيعة التعاقدية لالتزامات الشراء وعقود الإيجار الموقعة تجعلها في الغالب غير قابلة للإلغاء، بغض النظر عما إذا كانت الإيرادات المتوقعة ستتحقق أم لا.
وختمت “وول ستريت جورنال” تقريرها بالقول: “وإذا ما سارت الأمور على عكس التوقعات، ستجد شركات التكنولوجيا نفسها ملزمة بدفع فاتورة باهظة لبنية تحتية لا يمكن استغلالها بشكل مربح، مما قد يضطر الشركات المثقلة بالديون سلفاً إلى اقتراض المزيد من الأموال، ومع تزايد وتيرة هذه الالتزامات وتعقيدها، تتشكل ضبابية غير مسبوقة تصعّب على المستثمرين تقييم الحجم الحقيقيّ للرافعة الماليّة الكلية التي تعتمد عليها هذه الكيانات التكنولوجية الضخمة”.

