لو سعت صناعة التكنولوجيا إلى ابتكار طريقة ذكية لإغراء المستخدمين بإرسال أعمق أسرارهم وأكثرها حساسية إلى خوادم بعيدة، فلن تجد فخًّا أفضل من روبوتات الدردشة المدعومة بتقنية الذكاء الاصطناعي.
لقد تحولت أدوات شهيرة مثل “تشات جي بي تي” و”كلود” و”جيميناي” من “جوجل”، إلى منصات للفضفضة وعيادات افتراضية لملايين البشر حول العالم.
وتُضبط هذه النماذج افتراضيًّا لجمع وتخزين تلك البيانات الشديدة الخصوصية، وغالبًا دون أي قيود على مشاركتها، أو بيعها، أو استخدامها لتدريب أدوات أخرى، أو حتى تسليمها لجهات إنفاذ القانون متى طُلب ذلك قانونيًّا.
فخ الأسرار الشخصية وتاريخ التشفير
يحذر مات جرين، أستاذ علوم الكمبيوتر والخصوصية في جامعة جونز هوبكنز، من أن المستخدم يبني سجلًّا ضخمًا عن حياته بمجرد طرح الأسئلة المتتالية.
وفي السياق ذاته، يرى موكسي مارلينسبايك، مطور تطبيق “سيجنال” المشفر، أن المخاطر التي كانت تهدد الرسائل النصية قبل عقد من الزمان، انتقلت الآن إلى قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر وأخطر؛ حيث يشارك الناس أسرارهم المالية والصحية والعاطفية.
ولهذا، أطلق مارلينسبايك هذا العام أداة “كونفر Confer” وهو روبوت دردشة مصمم باستخدام التشفير لمنع الخوادم من التجسس على المحادثات، ليكون مساحة آمنة لاستكشاف الأفكار دون خوف من أن تُستخدم ضد المستخدم لاحقًا.
وهم “عدم الاحتفاظ بالبيانات”
عند استخدام روبوتات الدردشة الكبرى، يجب أن تتوقع مبدئيًّا انعدام الخصوصية؛ فالاستثناء الوحيد يتمثل في سياسة “عدم الاحتفاظ بالبيانات” المتاحة حصرًا للحسابات المؤسسية المدفوعة.
ورغم ذلك، تتضمن هذه السياسة استثناءات واسعة؛ فشركة “أنثروبيك” لا توفرها لنماذجها فائقة التطور، مثل نموذج “Fable 5.1” خوفًا من سوء الاستخدام وعمليات الاختراق المستقلة.
وأعلنت “أوبن إيه آي” أن نظامها يفحص نشاط المستخدم قبل الحذف لاكتشاف أي انتهاكات وإبلاغ موظفيها، وكذلك تفعل “جوجل” التي تحتفظ ببعض السجلات لمراقبة الإساءات، وهو ما قد يكشف هوية المستخدم إذا تضمن الطلب معلومات شخصية.
الوعود والوسطاء والحلول التقنية
تعتمد بعض الخدمات على مجرد وعود بعدم تسجيل المحادثات، مثل أداة “لومو” من شركة “بروتون” التي تقدم وعدًا بالخصوصية دون ضمان رياضي مشفر.
وهناك أدوات تستخدم نظام الوسطاء لإخفاء الهوية، مثل Duck.ai، وVenice.ai؛ لكن هذه الحلول ليست آمنة كليًّا، إذ يمكن للنماذج الأساسية تجميع بيانات تكشف هويتك عبر سياق أسئلتك اليومية عن محيطك الجغرافي.
تكمن الحماية الحقيقية في القيود التكنولوجية الصارمة التي تُعرف باسم “بيئة التنفيذ الموثوقة TEE” والتي تعالج البيانات في أجهزة معزولة تشفيريًّا.
ويستخدم تطبيق “كونفر” هذه التقنية عبر أجهزة “إنفيديا”؛ كما توفر “ميتا” نظامًا مشابهًا لنسخة الذكاء الاصطناعي المدمجة في تطبيق “واتساب” عبر خيار الدردشة المتخفية، وتعمل على تطوير جهاز ظاهري سري لأداتها الجديدة “Muse”.
من جهتها، تستخدم “آبل” نظام “الحوسبة السحابية الخاصة” لضمان عدم احتفاظ خوادمها بأي سجلات، وهناك خيار تشغيل النماذج محليًّا على أجهزة الكمبيوتر الشخصية مثل “أولاما”، لكنها تفتقر للذكاء المتقدم المتوفر في النماذج السحابية.
ضريبة الخصوصية الحقيقية
يظل السعر هو التحدي الأبرز في هذه المعادلة؛ إذ يبلغ اشتراك أداة “كونفر” حوالي 35 دولارًا شهريًّا، وهو تكلفة أعلى من اشتراكات الشركات الكبرى البالغة 20 دولارًا؛ لأن هذه الشركات تعوض تكاليف التشغيل الباهظة عبر استغلال بيانات المستخدمين في الإعلانات وتطوير النماذج.
ويبقى التساؤل قائمًا حول قدرة الشركات التي تحمي الخصوصية على الاستمرار دون التربح من البيانات؛ فالحصول على ذكاء اصطناعي يحترم خصوصيتك أمر ممكن، لكنه يتطلب دائمًا دفع ثمن مادي أعلى.

