يكشف المشهد المالي لسوق التأمين المصري مع نهاية عام 2025 عن مفارقة هيكلية صريحة؛ فالقطاع يمتلك قاعدة رأسمالية قوية بأصول بلغت نحو 418.9 مليار جنيه، وإجمالي أقساط مكتتبة سجلت 114.1 مليار جنيه “قرابة ملياري دولار” بنمو سنوي بلغ 20.9%، إلا أن هذه الملاءة المالية تظل بعيدة عن الغالبية العظمى من المواطنين.
وبحسب تقرير حديث صادر عن صندوق رأس المال الاستثماري «DisrupTech Ventures»، يقتصر عدد حاملي الوثائق على نحو 15 مليون مواطن فقط من بين 118.4 مليون نسمة، ما يعني أن معدل التغطية الحقيقي لا يتجاوز 13 شخصًا من كل 100، لتظل مظلة الحماية محصورة في شريحة ضيقة.
وانعكس هذا الانفصال بين تضخم أرقام الشركات ومستوى الانتشار الفعلي سلبًا على معدل اختراق التأمين، الذي تراجع من 0.68% إلى 0.65% من الناتج المحلي الإجمالي، في إشارة واضحة إلى عجز نمو الأقساط عن ملاحقة وتيرة التضخم والنمو الاسمي للاقتصاد.
ويفاقم الضغوط التشغيلية على الشركات، قفزة التعويضات المسددة بنسبة 42.8% لتصل إلى 60.4 مليار جنيه، متجاوزة بكثير معدل نمو الأقساط، لترتفع نسبة الخسائر التقديرية (التعويضات إلى الأقساط) من 44.8% إلى 52.9%، مدفوعة بارتفاع كلفة الرعاية الصحية وأسعار قطع الغيار دون أن يقابلها تعديل متزامن وسريع في تسعير المنتجات.
وعند وضع السوق المصري في ميزان المقارنة الإقليمية، تتضح فجوة الفرص الضائعة بصورة جلية؛ إذ يقف نصيب الفرد من الإنفاق التأميني عند نحو 20 دولارًا سنويًّا مقارنة بمتوسط قاري يبلغ 46 دولارًا.
ويتخلف معدل الاختراق في مصر (0.65%) كثيرًا عن أسواق أفريقية مشابهة مثل كينيا (2.63%) والمغرب (3.7%) وجنوب أفريقيا (11.4%)، فكينيا تتفوق على مصر بأكثر من أربعة أضعاف في معدل الشمول التأميني رغم انخفاض متوسط دخل فرد فيها.
ويشير التقرير إلى أن مجرد وصول مصر إلى مستوى الاختراق الكيني كفيل برفع حجم الأقساط إلى 460 مليار جنيه سنويًّا، بينما قد يقفز الرقم إلى 648 مليار جنيه حال مضاهاة التجربة المغربية، وهو ما يجسد اتساع الرقعة التسويقية غير المستغلة.
ويعود جذر هذا الانكفاء إلى تركز المحفظة في عدد محدود من المنتجات والقطاعات التقليدية؛ إذ يستحوذ التأمين الطبي على 34.4 مليار جنيه (27.6% من إجمالي السوق)، يليه تأمين الحياة بنحو 33.8 مليار جنيه، ثم تأمين المركبات التكميلي بـ 15.1 مليار جنيه، بينما تتوزع النسبة المتبقية على تغطيات المشروعات الكبرى كالحريق والائتمان والبترول والهندسة والطيران.
وفي المقابل، لا يسهم التأمين الإجباري للمركبات — وهو المنتج الأكثر تلامسًا مع الجمهور العام — سوى بنحو 2.4 مليار جنيه، أي ما يعادل 2% فقط من كعكة السوق.
ولا تكمن المفارقة في ضعف القدرة المالية للمستهلك، بل في عزوفه عن المنتجات بصيغتها الراهنة، لاسيما أن البنية التحتية للشمول المالي جاهزة بالفعل؛ إذ تضم السوق المصرية 54.7 مليون بالغ يمتلكون حسابات مالية نشطة، فضلا عن 61.5 مليون محفظة إلكترونية سجلت معاملات تجاوزت 4 تريليونات جنيه خلال 2025.
ورغم هذه القاعدة الرقمية الضخمة، لم يجتذب التأمين متناهي الصغر سوى 7.2 مليون عميل بأقساط متواضعة قاربت 1.1 مليار جنيه؛ وعلاوة على ذلك، فإن ارتفاع متوسط القسط السنوي لهذه الفئة من 107 جنيهات إلى 156 جنيهًا خلال العام يكشف أن نمو هذا القطاع جاء نتيجة زيادة أسعار الوثائق وليس التوسع الأفقي في ضم شرائح جديدة.
ويرى التقرير أن معضلة الانتشار ترتكز على أربعة محاور: غياب الملاءمة الشرعية، وتواضع الوعي التأميني، وسوء تصميم المنتجات، وتجاهل الرغبة في الادخار؛ ففي مجتمع يعمل ثلثا عمالته ضمن القطاع غير الرسمي، تبدو الوثائق السنوية باهظة ومجحفة لمن يتقاضون أجورًا يومية أو أسبوعية.
وتتطلب معالجة هذه الفجوة التحول نحو منتجات مرنة تُسدد أقساطها شهريًّا، أو وثائق مدمجة، مع القروض متناهية الصغر، أو مشتريات الهواتف الذكية، أو المصروفات التعليمية.
في المقابل، برزت مؤشرات دالة على تفضيلات المستهلك؛ حيث حقق التأمين التكافلي نموًّا في إيرادات وثائقه بنسبة 36% متفوقًا على السوق التقليدي (31%) لترتفع حصته السوقية إلى 15.9%.
وأظهرت سلوكيات عملاء تأمينات الحياة أن 31% من الأقساط وجهت نحو وثائق تجمع بين الحماية والادخار، مع بلوغ المخصصات والاحتياطيات لمزايا حملة الوثائق نحو 128.8 مليار جنيه.
وتؤكد هذه البيانات أن المستهلك المصري يميل إلى الأدوات التي تضمن استرداد مدخراته بدلًا من دفع تكلفة مجردة ضد مخاطر قد لا تقع.
وتأتي التطورات التنظيمية لتمنح القطاع قوة دفع غير مسبوقة؛ فبعد تفعيل قانون التأمين الموحد في منتصف 2024 وصدور الضوابط التنفيذية للتأمين الرقمي والتكافلي والشركات متناهية الصغر خلال 2025 و2026، منحت الرقابة المالية أول ترخيص لكيان متخصص في التمويل متناهي الصغر برأسمال مرن يخفض تكلفة الدخول للشركات الناشئة؛ حيث يمهد هذا الإطار لتوزيع وثائق صغيرة منخفضة التكلفة عبر المحافظ والتطبيقات الرقمية وتجاوز القنوات التقليدية والوسطاء.
ومع التحول الرقمي، تبرز حلول الذكاء الاصطناعي كعنصر حاسم في خفض النفقات الإدارية والتشغيلية عبر أتمتة تسوية المطالبات، ومعالجة التقارير الطبية، وإدارة خدمة العملاء وعمليات التحصيل والتجديد؛ إذ تمثل هذه الكفاءة التقنية الضمانة الأساسية لتحويل بيع الوثائق متناهية الصغر إلى نموذج عمل مستدام ومربح للشركات والمنصات.

