في وقت تتوالى فيه التحذيرات من قطاع تكنولوجيا المعلومات بشأن تهديد الذكاء الاصطناعي للفرص الوظيفية، يتبنى خبراء الاقتصاد رؤية مغايرة تمامًا؛ فوفقًا لتقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، يستبعد الاقتصاديون الفرضية القائلة بإن التطور التقني سيؤدي حتمًا إلى تقليص إجمالي الوظائف، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة المهام داخل الوظيفة بدلًا من القضاء عليها.
وتأتي الرؤية الاقتصادية في مقابل موجة من التوقعات القاتمة الصادرة عن كبرى شركات الذكاء الاصطناعي؛ إذ حذر داريو أمودي، المدير التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، من إمكانية انخفاض وظائف المكاتب للمبتدئين بنسبة النصف بحلول عام 2030، بينما رجح بيل جيتس، مؤسس شركة “مايكروسوفت”، حدوث تراجع حادًا في إجمالي الفرص الوظيفية خلال العقد المقبل في حال غياب السياسات التنظيمية الملائمة.
ويرى الاقتصاديون أن هذه المخاوف تكرر سيناريوهات سابقة شهدتها موجات الأتمتة القديمة، والتي تضمنت توقعات باختفاء نصف الوظائف دون أن تتحقق على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، أشار ستين بروك، الباحث في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى أن معدلات التوظيف في معظم دول المنظمة لا تزال تسجل مستويات قياسية، وهو ما ينفي وجود تأثير سلبي مباشر وشامل للتقنيات الحديثة على سوق العمل حتى الآن.
وتدعم الأرقام والمؤشرات هذه القراءة الحذرة؛ إذ أظهر مسح أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وشمل 8 آلاف شركة في 13 دولة، أن 10% فقط من المؤسسات التي اعتمدت الذكاء الاصطناعي قامت بتخفيض أعداد عمالتها، في حين أرجعت 1% فقط من الشركات سبب التسريح بشكل رئيسي إلى الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت تقييمات معهد “ييل بادجيت لاب” الأمريكي عدم وجود أدلة واضحة تؤكد أن هذه التقنية تدفع الخريجين الجدد خارج سوق العمل في الولايات المتحدة.
وفي ما يخص تراجع توظيف الشباب، أوضح الباحث ستين بروك أن ارتفاع البطالة بين الخريجين يمثل اتجاهًا زمنيًا ممتدًا منذ عام 2015 نتيجة عوامل اقتصادية وهيكلية متنوعة؛ من بينها زيادة أعداد الخريجين، وانتشار العمل عن بعد، وارتفاع أسعار الفائدة.
ومن جانبه، أشار لويس جاريكانو، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد، إلى أن الوظائف تتألف من عدة مهام متداخلة؛ فبينما يسهل أتمتة بعض المهام المحددة مثل الترجمة، تبقى قطاعات مثل التمريض والسياسة قائمة بالأساس على العلاقات الإنسانية، مما يجعل أتمتتها بالكامل أمرًا استثنائيًا وصعب التحقيق.

