عاشت شبكة الإنترنت والبنية التحتية الرقمية العالمية حالة استنفار تقني واسعة النطاق إثر اكتشاف ثغرتين أمنيتين بالغتَي الخطورة في لغة البرمجة مفتوحة المصدر “PHP”، المعنية بتشغيل نحو 70% من خوادم ومواقع الويب حول العالم.
وتُعرف الثغرتان تقنيًّا باسم “PHP2Shell”، وتتطابقان مع الرمزين المرجعيين “CVE-2026-109618” و”CVE-2026-109619″، وتتيحان للمهاجمين تنفيذ تعليمات برمجية عن بُعد والسيطرة الكاملة على الخوادم غير المحدثة دون الحاجة إلى امتلاك كلمات مرور أو تصاريح وصول، فضلًا عن إمكانية زرع برمجيات خبيثة تتيح سرقة البيانات أو البقاء طويلًا داخل الأنظمة المخترقة دون أن تُكتشف.
ولاحتواء التداعيات، أصدرت “مؤسسة PHP” المسؤولة عن صيانة البرمجية ترقيعات أمنية عاجلة يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، بعد أسابيع من التنسيق السري وإتاحة تفاصيل المعالجة مسبقًا لكبرى شركات الاستضافة والخدمات السحابية العالمية بموجب اتفاقية حظر نشر مؤقتة لتأمين أنظمتها.
وتزامن إطلاق التحديثات مع توجيه حكومات عدة تحذيرات عاجلة دعت فيها المؤسسات وأصحاب المواقع إلى سد الثغرات فورًا، مما دفع قطاعات حيوية متنوعة -شملت بنوكًا، وشركات تجزئة، ومتاجر تجارة إلكترونية، ومنصات ألعاب، ومستشفيات، ومؤسسات حكومية، ومنصات تعليمية من بينها منصة “سمارت سكول” في بلجيكا- إلى إيقاف خوادمها وسحب خدماتها من الشبكة مؤقتًا لتطبيق المعالجات وتفادي محاولات الاختراق.
وكانت الثغرتان قد اكتُشفتا للمرة الأولى عام 2024 دون اعتبارهما قابلتين للاستغلال وقتئذٍ مما أبقاهما دون معالجة، قبل أن يتمكن باحثو أمن المعلومات في شركة “كاليف” مؤخرًا من ابتكار مسار تقني لاستغلالهما أثناء تدقيق برمجي أُجري ضمن مبادرة “هاك ذا بلانيت” المشتركة بين مطورة الذكاء الاصطناعي “أوبن إيه آي” وشركة الأمن السحابي “ويز”.
وأوضحت شركة “كاليف” أن أدوات الذكاء الاصطناعي قُدمت كعامل مساعد في تتبع مسارات الاستغلال، إلا أن الجزء الأكبر من العمل اعتمد بالأساس على الفهم البشري المتخصص لشيفرة “PHP” البرمجية وتاريخ ثغراتها السابقة، مؤكدةً أن النماذج الذكية لا تملك وحدها القدرة على استخراج الثغرات عبر مطالبات نصية بسيطة.
ورغم محاولات فرض السرية على الأزمة حتى الإعلان الرسمي، كشفت شركة “أمازون” عن رصدها محاولات لاستغلال ثغرة “PHP2Shell” قبل نحو أسبوع من طرح التحديثات البرمجية، وتحديدًا منذ 17 أكتوبر، ما أشار إلى وصول جهات مجهولة إلى معلومات الثغرة قبل الكشف عنها على نطاق واسع.
وبينما أرجعت “مؤسسة PHP” هذا التسرب إلى قيام إحدى الشركات بطرح حزم الترقيع قبل موعد انتهاء الحظر بساعات قليلة، إلا أن ذلك لا يفسر الأنشطة المبكرة التي وثقتها “أمازون”.
وأكدت شركتا الأمن السيبراني “بالو ألتو نتوركس” و”تريل أوف بيتس” تسجيل اختراقات مؤكدة وأنشطة تخريبية لاحقة على أهداف محددة، تزامنًا مع تصريح ماثيو برينس، الرئيس التنفيذي لشركة “كلاود فلير”، برصد قفزة أسّية في محاولات استغلال العيوب المكتشفة عقب نشر التحديثات مباشرة.
وتسلط هذه الحادثة الضوء على المعضلة البنيوية التي تواجه شبكة الويب، حيث تعتمد أضخم المنصات والمحتويات الرقمية -مثل منصة إدارة المحتوى “ووردبريس” المعتمدة لدى منصات إخبارية كبرى، إلى جانب “دروبال”، و”جوملا”، وبرمجية “ميدياويكي” المشغلة لموسوعة “ويكيبيديا”- على لغة “PHP” المتقادمة التي طُورت منذ عقود وتُدار تطوعيًّا عبر مطوري المصادر المفتوحة دون تلقي مقابل مادي أو تمويل يكفي لإجراء تدقيقات أمنية احترافية دورية.
ولا يقتصر حضور اللغة على مواقع الإنترنت، بل يمتد لأدوات التطوير وحزم سطر الأوامر وأجهزة التوجيه والشبكات الافتراضية الخاصة والجدران النارية، ما يرجح استمرار استهداف الأنظمة القديمة التي يصعب تحديثها لأعوام مقبلة.
وأعادت الأزمة إلى الواجهة تحذيرات وكالة الأمن القومي الأمريكية بشأن لغات البرمجة غير الآمنة لإدارة الذاكرة، والتي تمثل سببًا لنحو 75% من الثغرات المستغلة هجوميًّا، ما يجدد المطالبات بضرورة تسريع التحول إلى لغات حديثة مثل “بايثون” و”رست” و”سويفت” لتجنب صدمات تقنية شاملة كالتي شهدها العالم مع هجوم “داين” في 2016، وبرمجية “واناكراي” في 2017، وخلل “كراود سترايك” في 2024.

