يشهد قطاع الروبوتات في الصين تحولًا استراتيجيًّا عميقًا يبتعد عن التركيز التقليدي على هندسة الهياكل الميكانيكية، ليتجه نحو تطوير “العقول” أو ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي المتجسد”.
وبحسب رويترز؛ فهذا التحول ليس مجرد تطور تقني طبيعي، بل هو استجابة اقتصادية حتمية لانخفاض هوامش ربح الأجهزة بفعل المنافسة التصنيعية الشرسة.
وتُترجم هذه القناعة لغة الأرقام بوضوح، حيث ضخت بكين 13 مليار دولار (93.5 مليار يوان) في 322 صفقة خلال النصف الأول من عام 2026؛ مما يمثل قفزة بخمسة أضعاف مقارنة بالعام السابق، لتتجه رؤوس الأموال من خطوط التجميع إلى مختبرات البرمجيات.
ويفتح هذا التوجه التقني جبهة معقدة في التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن؛ ففي حين تحتفظ المختبرات الأمريكية بالريادة في تطوير النماذج الأساسية المتقدمة وسرعة تكيف الروبوتات مع المهام المعقدة، تسعى الصين إلى معادلة الكفة عبر استغلال تفوقها في سلاسل التوريد الصناعية.
وتراهن الشركات الصينية على دمج الابتكار البرمجي مباشرة مع بيئات التصنيع الواقعية، مما يمنحها ميزة تنافسية في جمع بيانات التدريب الفعلي وتجربة الأنظمة في المصانع الكبرى بشكل أسرع وأقل تكلفة من نظيراتها الأمريكية.
وتبرز معضلة البيانات كأحد أهم التحديات التي تشكل هذا القطاع؛ فخلافًا لنماذج اللغة الكبيرة التي تتغذى على نصوص الإنترنت، تتطلب الروبوتات بيانات تفاعل فيزيائي دقيقة.
وتتبنى الشركات الصينية استراتيجيات متباينة لتجاوز هذه العقبة، تتراوح بين الاعتماد الكثيف على العنصر البشري لتدريب الآلات، كما تفعل “سبيريت إيه آي” بتوظيفها لألف شخص لتسجيل الحركات، وبين اللجوء إلى المحاكاة الحاسوبية المتقدمة، كما في حالة “ديكس فورس”.
ورغم نجاح هذه التطبيقات في بيئات محكومة، كاستخدام روبوتات لتوصيل الأسلاك في مصانع بطاريات “كاتل” بدقة تتجاوز 99%، إلا أن القيود الأمريكية على تصدير رقائق “إنفيديا” المتقدمة تظل الثغرة الأبرز التي تهدد طموحات الصين في بناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تعقيدًا وقدرة على التعميم.
وفي تقييم الفجوة بين الطموح التكنولوجي والواقع التجاري، تتباين الرؤى حول الجدول الزمني الفعلي لانتشار هذه التقنية. فبينما يتبنى بعض قادة الصناعة، كمؤسس شركة “يونيتري”، رؤية مفرطة التفاؤل بقرب حدوث “لحظة تشات جي بي تي” للروبوتات مع وصول نماذج مثل “جي بي تي-7”.
ويشير التحليل الواقعي للسوق إلى أن قدرة الروبوت على أداء مهام غير مألوفة في مقاطع فيديو استعراضية تختلف جذريًّا عن الموثوقية المطلوبة لنشره في بيئات صناعية أو تجارية متغيرة؛ ما يعني أن تحقيق الاستقلالية الكاملة للروبوتات المتجسدة لا يزال هدفًا استراتيجيًّا طويل الأجل يُقاس بالسنوات، وليس تحولًا وشيكًا يُنتظر في غضون أشهر.

