×
خدمات المحتوى

«Vibe Coding»: حين يصبح بناء التطبيق أسهل من شرب القهوة… وأخطر منها بكثير

-
التاريخ 28 يونيو 2026

بقلم: عبدالرحمن طلعت — الرئيس التنفيذي للتقنية، سولف فاست

في الأسبوع الماضي، أرسل لي صديقٌ رابطًا لتطبيقٍ بناه في ثلاث ساعات. لم يكتب سطرًا واحدًا من الكود. كل ما فعله أنه «تحدّث» مع نموذج ذكاء اصطناعي، ووصف ما يريد بلغةٍ عادية، فخرج المنتج جاهزًا للاستخدام. اتصل بي فخورًا وقال: «أنا الآن مبرمج».

أجبته بابتسامةٍ لم يرَها: «لا، أنت صانع نموذج أولي. والفرق بينهما هو الفرق بين من يرسم سيارة على ورقة، ومن يقودها على طريقٍ سريع».

هذه الموجة الجديدة لها اسمٌ شائع اليوم: «Vibe Coding» — أي البرمجة بالإحساس. فكرتها أن تصف للذكاء الاصطناعي ما تريد، فيكتب لك التطبيق. ولأنها تبدو سحرًا، فقد امتلأت منصات التواصل بمقاطع لمراهقين بنوا «شركاتٍ ناشئة» في عطلة نهاية الأسبوع، ولرواد أعمال يعلنون نهاية مهنة المبرمج.

لكنني، بصفتي مسؤولًا عن أنظمةٍ تخدم جهاتٍ حكوميةً وجمعياتٍ خيريةً يعتمد عليها آلاف المستفيدين، أرى الصورة من زاويةٍ مختلفة تمامًا.

ما يراه «المبرمج بالإحساس»… وما يراه المهندس الحقيقي

في ذهن صانع النماذج الجديد، أي تطبيقٍ يتكوّن من طبقتين: واجهة أمامية يراها المستخدم، وواجهة خلفية تعمل في الخفاء. انتهى الأمر.

أما في الواقع الإنتاجي الذي نعمل فيه يوميًا، فالتطبيق الواحد يقوم على أكثر من اثنتي عشرة طبقة متشابكة: قواعد بيانات، صلاحيات وتحقق من الهوية، استضافة، حوسبة سحابية، نشر آلي، إدارة إصدارات، أمن سيبراني وحماية الصفوف، تحديد معدل الطلبات، تخزين مؤقت، شبكات توزيع المحتوى، موازنة الأحمال، تتبع الأخطاء، خطط التعافي من الكوارث…

كل طبقةٍ من هذه الطبقات ليست «تفصيلًا تقنيًا»، بل هي ما يقف بين تطبيقك وبين كارثةٍ في الساعة الثالثة فجرًا.

النموذج الأولي يعمل لأن مستخدمه الوحيد هو صانعه. أما النظام الحقيقي فيُختبر حين يدخل عليه ألف مستخدمٍ في اللحظة ذاتها، حين تتسرب البيانات، حين يحاول مخترقٌ استغلال ثغرة، حين تنقطع الكهرباء عن مركز بيانات.

هل أنا ضد هذه الموجة؟ على الإطلاق

تكنولدج

سأكون مرائيًا لو ادّعيت ذلك. فِرَقُنا في «سولف فاست» تستخدم الذكاء الاصطناعي يوميًا، ونبني بأدوات منخفضة الكود تُسرّع التطوير عشرة أضعاف. الذكاء الاصطناعي في البرمجة ليس عدوًا، بل هو أعظم رافعةٍ إنتاجيةٍ شهدتها المهنة منذ اختراع الإنترنت.

لكن الرافعة لا تُلغي المهندس، بل تُعيد تعريفه.

المبرمج الذي سيختفي هو الذي كان يكتب الكود حرفًا حرفًا دون أن يفهم لماذا. أما المهندس الذي يعرف كيف تتكامل الطبقات، وأين تختبئ المخاطر، وكيف يُصمَّم نظامٌ يتحمّل الفشل — فقيمته ستتضاعف، لا تتراجع.

التحذير الذي يجب أن يُقال

ما يقلقني ليس الموجة، بل ما يخفيه نجاحها الظاهري. حين تبني جهةٌ حكوميةٌ أو شركةٌ ناشئةٌ منتجًا «بالإحساس»، ثم تطلقه للمستخدمين دون مهندسٍ يفهم ما تحت السطح، فهي لا تُطلق منتجًا — بل تُطلق قنبلةً موقوتة: ثغرة أمنية تنتظر، ديون تقنية تتراكم، وعميل يدفع الثمن في النهاية.

في عالمٍ تتسارع فيه السيادة الرقمية، وتزداد فيه قيمة البيانات، لا يكفي أن «يعمل» التطبيق. يجب أن يكون آمنًا، قابلًا للتوسع، صامدًا.

الخلاصة

«البرمجة بالإحساس» ليست نهاية المبرمج، بل بداية فرزٍ كبير: بين من يصنع عرضًا جميلًا في ساعة، ومن يبني نظامًا يصمد عشر سنوات.

السوق سيحتاج كليهما. لكنه سيدفع لأحدهما فقط ثمنًا يستحقه.

سولف فاست — حلول أذكى، نموٌّ أسرع