
تشير توقعات الاقتصاديين إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أسواق العمل بطرق أكثر وضوحًا خلال عام 2026، على عكس النظرة المتشائمة التي صاحبت إطلاق “تشات جي بي تي” في عام 2022، وذلك بعد أن دأب المتشائمون على التنبؤ بكارثة تحلّ بالوظائف.
وبحسب تقرير “فاينانشال تايمز” فإنَّ بعض العمال سيتضررون قبل أن تنعكس مكاسب الإنتاجية على الأجور ومستويات المعيشة، ويكمن قلقهم في أن الحكومات، التي تعتزم الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي، لم تفعل ما يكفي بعد لحماية أولئك الذين قد يخسرون، وبشكل خاص الخريجين الذين يسعون لدخول مهن كان يُنظر إليها سابقاً على أنها مسار وظيفي آمن.
وتعرب مولي كيندر زميلة أولى في معهد بروكينجز بواشنطن، عن قلقها البالغ إزاء هذا الأمر، مشيرة إلى أن النية المعلنة والواضحة لأصحاب العمل والمستثمرين هي نشر هذه التقنية وخلق الكفاءات بهدف خفض تكاليف العمالة في كثير من الحالات، مؤكدة أنَّ الأشخاص يستيهنون بحجم التحول الذي قد يحدث على المديين المتوسط والطويل.
وأشار بحث نشرته كيندر في 2025 بالشراكة مع “مختبر الميزانية” بجامعة ييل أدلة قليلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تسبب حتى الآن في إخراج الناس من سوق العمل، أو أنه يغير مزيج المهن في الاقتصاد الأمريكي بوتيرة أسرع مما كان عليه الحال في فترات الاضطراب التكنولوجي السابقة التي تلت ظهور أجهزة الكمبيوتر والإنترنت.
ويرى الاقتصاديون أن الارتفاع الأخير في بطالة الخريجين في الولايات المتحدة وأوروبا يعكس بشكل أساسي تراجعًا أوسع في التوظيف، تفاقم بسبب سياسات دونالد ترامب غير المتوقعة، وارتفاع ضرائب الرواتب في المملكة المتحدة، ووفرة الخريجين المؤهلين حديثاً في منطقة اليورو.
وتربط الشركات الكبرى عمليات التسريح باستخدام الذكاء الاصطناعي لأن ذلك ينقل رسالة أكثر إيجابية للمستثمرين مقارنة بإسنادها إلى عوامل سلبية أخرى مثل ضعف الطلب أو التوظيف المفرط في الماضي.
وتشير بعض الدراسات إلى أن التأثيرات المبكرة للذكاء الاصطناعي تزيد الآن من صعوبات الشباب، حيث يبدو التوظيف والعمل أضعف في المجالات المتعلقة بالتكنولوجيا والتمويل التي يعد فيها تبني الذكاء الاصطناعي أكثر تقدمًا، وكذلك في أدوار الدعم وخدمة العملاء المعرضة بالفعل للأتمتة.
وأظهر التحليل الذي أجرته “ماكينزي” لإعلانات الوظائف في المملكة المتحدة نمطًا واضحًا بوجود انخفاضات حادة في المهن الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، ما لا يعني أن الشركات قد حققت بالفعل وفورات كبيرة في التكاليف أو اكتشفت كيفية نشر الذكاء الاصطناعي عبر مؤسساتها، ولكن “لا يبدو منطقياً الاستمرار في التوظيف بنفس الوتيرة”، بحسب التقرير.
وفي العديد من فرق العمل، لم يكن من المرجح أن يقوم الذكاء الاصطناعي بعمل شخص واحد بالكامل، ولكن المديرين الذين يفتقرون إلى التدريب التقني قد يبنون الآن روبوتًا يمكنه القيام بما يكفي من مهام خمسة أشخاص بحيث لا يحتاجون إلى توظيف شخص سادس، وقد تكون هذه التغييرات إيجابية للعديد من الموظفين الحاليين، فضلًا عن خلق فرص جديدة.
وأجرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحثًا وجد أن الشركات الصغيرة التي نشرت الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تقم بخفض الوظائف، بل كانت أكثر قدرة على التوسع والمنافسة، وشهدت انخفاضًا في عبء العمل، وأصبحت أقل اعتمادًا على المستشارين الخارجيين، حيث تشير الأدلة حتى الآن إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكمل مهارات العديد من العمال بدلًا من استبدالهم أو التسبب في انخفاض إجمالي التوظيف.
وأجرت كلية لندن للاقتصاد مراجعة حديثة حول مستقبل العمل، أشارت فيه إلى أنه إذا سألت العمال في شركة ما عن استخدامهم للذكاء الاصطناعي التوليدي فهم عمومًا سعداء جدًا به لأنه يقوم بالجزء الممل من عملهم، لكنه يشارك أيضًا المخاوف الواسعة النطاق بشأن آفاق الخريجين الجدد، خاصة في اقتصاد مثل المملكة المتحدة الذي تقوده الخدمات المهنية.
وبحسب تقرير “فاينانشال تايمز” كان صناع السياسات أكثر عزمًا على تعزيز تطوير وتبني الذكاء الاصطناعي بدلًا من إدارة التداعيات المحتملة على العمال، كما أن الشركات متأخرة أيضًا عن الركب، حيث إنه لا يوجد حتى الآن استثمار أو تفكير كافٍ في تدريب العمال على المهارات التي ستكون مكملة للذكاء الاصطناعي، وخاصة التفكير النقدي لاكتشاف الهلوسة واستخدام التقنيات الجديدة بفعالية.
ويختتم التقرير أنه مع استبدال الذكاء الاصطناعي لـ”العمل الروتيني الشاق” في بداية الحياة المهنية، فإن المسارات إلى العديد من المهن قد تحتاج إلى إعادة اختراع شاملة، مشيرًا إلى أن الشباب فعلوا كل ما قيل لهم فعله للانتقال إلى مهن توفر الاستقرار المالي، ليجدوا فقط أن هذه هي نوعية الوظائف المعرضة للخطر الآن.




