بدأت الشركات التي سارعت سابقًا لتزويد موظفيها بأدوات الذكاء الاصطناعي في تقييد استخدامها بشكل ملحوظ، وذلك استجابة للارتفاع الكبير في تكاليف نشر هذه التقنيات على نطاق واسع والذي بدأ يختبر قدرة ميزانيات الشركات.
وبحسب “فاينانشال تايمز” اتجهت كبرى الشركات العالمية مثل “أمازون”، و”وول مارت”، و”سيسكو”، و”أوبر”، و”ميتا” إلى فرض أسقف للاستخدام، والحد من الاستهلاك المفرط، وتوجيه الموظفين نحو نماذج اقتصادية أقل تكلفة للسيطرة على نفقات الذكاء الاصطناعي.
ويمثل هذا التوجه مرحلة جديدة في مسار التبني المؤسسي للتقنية؛ فمع انتقال الموظفين من استخدام روبوتات الدردشة البسيطة إلى الاعتماد على “وكلاء الذكاء الاصطناعي” القادرين على أداء مهام معقدة ومستقلة، تضاعفت الحاجة إلى قوة حوسبة هائلة، مما أجبر الإدارات على التدقيق في الجدوى الاقتصادية لكل عملية استعلام أو مهمة آلية للتأكد من موازاتها للتكلفة.
وتفاقمت هذه الضغوط المالية بعد أن انتقلت مختبرات بارزة مثل “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” من نظام الاشتراكات الثابتة إلى الفوترة القائمة على “الرموز” والتي تحتسب التكلفة بناءً على وحدات البيانات التي تعالجها النماذج، مما كشف للشركات التكلفة الحقيقية والمباشرة لكل أمر برمجي.
وتلاشت تدريجيًا الفكرة السائدة حول مجانية الذكاء الاصطناعي، لتصبح تكاليف الحوسبة عبئاً رئيسياً يؤرق المديرين الماليين ومجالس الإدارات هذا العام، خاصة مع صعوبة ربط هذه النفقات الضخمة بتحقيق زيادة ملموسة ومباشرة في الإنتاجية أو تطوير ميزات استهلاكية جديدة.
وفي هذا السياق، ووفقًا لتقارير إعلامية، اضطرت شركة “أوبر” إلى وضع سقف استخدام شهري يبلغ 1,500 دولار لكل موظف على أدوات الذكاء الاصطناعي الفردية، وذلك بعد استنفاد ميزانيتها المخصصة لهذه التقنية لعام 2026 بالكامل بحلول شهر أبريل الماضي.
وبالمثل، قيدت “وول مارت” عدد الرموز المسموح بها لموظفيها على منصتها الداخلية للبرمجة Code Puppy بعد تسجيل ارتفاع صاروخي في معدلات الاستخدام، موجهةً فرق العمل لضرورة تحديد الأداة الأنسب لكل مهمة.
وتواجه الشركات اليوم تحديًا كبيرًا في الموازنة بين الرغبة في توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي وبين تكلفة ووفرة الرموز؛ حيث تتطلب بنية الوكلاء التحتية موارد حوسبة تفوق روبوتات الدردشة بكثير، نظرًا لأن الموظف الواحد قد يحتاج لتشغيل ما بين عشرة وكلاء إلى ألف وكيل يستهلكون طاقة حوسبية مستمرة.
وأشارت التوقعات المصرفية الحديثة إلى احتمالية تضاعف استهلاك الرموز بمقدار 24 مرة بحلول عام 2030، مما سيؤدي إلى زيادة هائلة في الطلب قد تُفاقم من أزمة نقص الرقائق الإلكترونية خلال الأشهر الـ12 إلى الـ18 المقبلة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه معدلات الاستهلاك الإنفاقي نموها، قد تلقي هذه الإجراءات التقشفية بظلالها على طموحات النمو لمختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى التي تخطط لطرح أسهمها للاكتتاب العام بتقييمات تقارب التريليون دولار.
وعلى الجبهة العالمية، أظهرت البيانات تفوق النماذج الصينية على نظيراتها الأمريكية في حجم استهلاك الرموز منذ بداية العام، مستفيدة من انخفاض تكاليف الطاقة وكفاءة نماذجها التي أتاحت لها تقديم خدمات بأسعار تنافسية منحتها ميزة استراتيجية في هذا المضمار.
ولم تسلم الشركات التقنية الأصغر من هذه الضغوط؛ إذ شهدت شركة البرمجيات “ووركاتو” قفزة هائلة في تكاليفها وصلت إلى سبعة أضعاف في يوم واحد بمجرد انتقالها لنموذج الفوترة القائم على الرموز في شهر مايو، وذلك بعد أن كان 1,300 من موظفيها قد أحدثوا ثورة في مهامهم باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي منذ الصيف الماضي، مما دفع الإدارة لتحويل تركيزها التثقيفي الداخلي من الابتكار إلى “المسؤولية المالية للذكاء الاصطناعي” واعتماد النماذج الأقدم والأرخص.
وفي السياق ذاته، بدأت الشركات الكبرى في تغيير أنظمة الحوافز؛ حيث حذرت “أمازون” ومثيلتها “ميتا” موظفيها من الاستخدام العشوائي للتقنية لمجرد المنافسة في لوحات الصدارة الداخلية، وعدلت من طرق قياس تبني التقنية للحد من الهدر، رغم اعتمادهما على طرف ثالث مثل “أنثروبيك” إلى جانب نماذجهما الخاصة.
وللتعامل مع هذه التحديات، تعمل منصات مثل “مايكروسوفت” و”جوجل” و”أمازون” على توجيه العملاء ومناقشة “الملاءمة والغرض” لتمرير المهام التلقائية إلى النماذج الأقل تكلفة، فضلاً عن تشجيع بعض الشركات لموظفيها على استخدام نماذج مفتوحة المصدر تعمل محلياً على أجهزتهم الخاصة لتقليل فواتير الخدمات السحابية.
ورغم كل هذه التوجهات الترشيدية، لا تزال الشركات في سباق مستمر لمحاولة التوفيق بين متطلبات الموظفين التشغيلية المتزايدة للرموز وبين الوعود الاستثمارية بتحقيق أرباح فعلية من وراء هذه التقنية.
