كانت الأخطاء الإملائية، والصور الباهتة، واللكنات الغريبة لموظفي خدمة العملاء، بمثابة علامات إنذار مبكرة تكشف عمليات الاحتيال عبر الإنترنت؛ لكن اليوم، وبفضل الذكاء الاصطناعي التوليدي، تلاشت هذه المؤشرات تقريبًا؛ إذ أتاحت أدوات استنساخ الصوت، ومولدات الصور، وروبوتات الدردشة منخفضة التكلفة للمجرمين كتابة نصوص خالية من العيوب، وتصميم مواقع تبدو أصلية، بل واستنساخ هويات الأشخاص ببراعة، بحسب تقرير لـ”نيويورك تايمز”.
وأصبح الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي مقنعًا لدرجة خطيرة، وهو ما حدث مع كاتب هذا التقرير الذي كاد أن يقع ضحية إعلان مضلل على منصة “تيك توك” يعرض أحذية رياضية من علامة بخصم يصل إلى 80%.
وبمجرد النقر، ظهر موقع إلكتروني يبدو مطابقًا تمامًا للمتجر الرسمي، لولا أن بحثًا سريعًا على الإنترنت كشف تحذيرات سابقة من المستخدمين وشركة Hoka نفسها حول انتشار متاجر وهمية تنتحل صفتها.
وتشير تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن مجرمي الإنترنت استولوا على نحو 21 مليار دولار من الأمريكيين العام الماضي، منها حوالي 893 مليون دولار مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأدوات الذكاء الاصطناعي.
ويرى خبراء الأمن السيبراني ضرورة تغيير طريقة حماية أنفسنا؛ فبدلاً من البحث عن “الثغرات” والعيوب، أصبح لزامًا علينا التحقق من مدى موثوقية المواقع حتى وإن بدت احترافية.
ودفع هذا الانتشار الواسع للإعلانات الاحتيالية مؤسسات حقوق المستهلك لرفع دعاوى قضائية ضد شركات كبرى مثل “ميتا”، متهمين إياها بالتقصير.
وفي ردها، أكدت “ميتا” أنها أزالت 159 مليون إعلان احتيالي ونحو 11 مليون حساب وهمي العام الماضي، بينما صرحت منصة “تيك توك” بأنها تحذف 97% من المحتوى الاحتيالي استباقيًا قبل الإبلاغ عنه.
ولم يعد الاحتيال يقتصر على المتاجر الوهمية أو الرسائل النصية المجهولة، بل تطور ليشمل انتحال الشخصيات عبر مكالمات فيديو حية يتم فيها استبدال الوجوه وتغيير الأصوات بشكل واقعيًا تمامًا.
ويمكن للمحتالين اليوم استهداف نقاط ضعف الضحايا، كخداع باحث عن عمل بمقابلة وهمية، أو تقليد صوت وصورة أحد الأبناء لطلب تحويل مالي عاجل، مما يجعل الاتفاق مسبقًا مع أفراد العائلة على “كلمة سر” للتحقق من هوية المتصل حلاً ضروريًا عند الشعور بأي شك.
وإلى جانب ذلك، أغرقت أدوات توليد الفيديو منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع “التزييف العميق”، حيث استُغلت وجوه شخصيات بارزة مثل الشيف جوردون رامزي للترويج لجوائز وهمية تسحب بيانات البطاقات الائتمانية، والملياردير ريتشارد برانسون للإيقاع بالضحايا في استثمارات كاذبة، وهو ما يتطلب الاعتماد حصرًا على المواقع الرسمية، وعدم الثقة المطلقة بـ “العلامة الزرقاء”.
ويستغل المحتالون كذلك أدوات الاستهداف الإعلاني على المنصات للوصول إلى اهتماماتك الشخصية الدقيقة لترويج متاجرهم المستنسخة، مستفيدين من عدم وجود منتجات فعلية لديهم تشحن وتكلفهم أموالاً.
ولتجنب هذا الفخ، ينصح الخبراء بإجراء بحث سريع لتقييم سمعة المتجر، أو الاستعانة بروبوتات الذكاء الاصطناعي التي دُمجت مؤخرًا مع أدوات أمنية لتحليل روابط المواقع وصورها والتأكد من سلامتها.
وفي النهاية، تظل القاعدة الذهبية القديمة هي درعك الأقوى في عصر الذكاء الاصطناعي: إذا بدا العرض جيدًا لدرجة يصعب تصديقها، فهو على الأرجح مجرد خدعة.