
أعلنت منصة “تيك توك” وشركتها الأم الصينية “بايت دانس” رسميًا تأسيس كيان جديد لنقل أجزاء من أعمالها في الولايات المتحدة إلى ملاك دوليين، وذلك بمشاركة تحالف استثماري يضم شركة “أوراكل”، وشركة الاستثمار الخاص “سيلفر ليك مانجمنت”، بالإضافة إلى شركة “إم جي إكس” الاستثمارية الإماراتية.
ويُنهي هذا الاتفاق فصلًا طويلًا من التجاذبات الجيوسياسية والتنظيمية التي استمرت لنحو نصف عقد وهددت بإغلاق التطبيق بدواعي الأمن القومي.
وبموجب الهيكلة الجديدة للصفقة، سيستحوذ المستثمرون الجدد، بما في ذلك “إم جي إكس” وأوراكل وسيلفر ليك، على حصة تبلغ 50% من الكيان الأمريكي الجديد لـ”تيك توك”، بينما سيسيطر المستثمرون الحاليون في “بايت دانس” على نسبة 30.1%، في حين ستحتفظ الشركة الأم “بايت دانس” بنسبة 19.9% فقط، امتثالًا للمتطلبات القانونية.
ويأتي هذا الحل بعد سلسلة من التمديدات التي أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمهلة التي كان من المفترض أن تنتهي في يناير 2025 بموجب تشريع أقره الكونغرس في عام 2024، والذي كان يقضي بحظر التطبيق ما لم يتم بيعه، استنادًا إلى مخاوف تتعلق ببيانات المستخدمين واحتمالية توظيف التطبيق لأغراض سياسية من قبل بكين، وهي اتهامات نفتها الشركة مرارًا، ويمثل الاتفاق طوق نجاة لنحو 200 مليون مستخدم أمريكي.
وعلى الصعيد التشغيلي والرقابي، سيتولى الكيان الجديد مسؤولية الإشراف الكامل على المحتوى وحماية بيانات المستخدمين في الولايات المتحدة، تحت إدارة مجلس مكون من 7 أعضاء غالبيتهم من الأمريكيين.
وستلعب شركة “أوراكل” دورًا محوريًا بصفتها “الحارس الأمني” المكلف بضمان الامتثال للقوانين، ومن المقرر أن تتيح الصفقة لشركة “بايت دانس” تأجير نسخة من خوارزميتها للكيان الجديد، ليتم إعادة تدريبها على بيانات المستخدمين الأمريكيين، مع احتفاظ الشركة الصينية بالسيطرة على قطاعات حيوية ومربحة مثل ذراع الإعلانات ووحدة التجارة الإلكترونية “تيك توك شوب”.
ورغم إتمام هذا الاتفاق، لا تزال هناك أصوات ناقدة ترى أن الصيغة الحالية قد لا تلتزم بشكل كامل بقانون الأمن القومي الذي أقرته إدارة بايدن في 2024، والذي كان يشترط فصلًا تامًا للعمليات عن الشركة الأم، حيث يجادل المنتقدون بأن “بايت دانس” لا تزال تحتفظ بعلاقة تشغيلية، في حين تؤكد “تيك توك” أن مشروعها المشترك يتوافق تمامًا مع الأوامر التنفيذية الصادرة.
موجة هلع واسعة
وأشار موقع “تك كرانش” في تقرير له أنَّ تغيير ملكية تطبيق “تيك توك” وما تبعه من تحديث لسياسة الخصوصية تسبب في إثارة موجة واسعة من الهلع بين المستخدمين في الولايات المتحدة، وذلك عقب تلقيهم إشعاراً داخل التطبيق ينبههم إلى الشروط الجديدة.
وقد دفع هذا التحديث العديد من المستخدمين إلى التعبير عن قلقهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، محذرين الآخرين من المخاطر المتصورة، بل ووصل الأمر بالبعض إلى التهديد بحذف حساباتهم نهائيًا، خوفًا مما اعتبروه انتهاكًا صارخًا لخصوصيتهم في ظل الإدارة الجديدة.
وتضمنت الوثيقة المنقحة، التي تفصل شروط استخدام المشروع المشترك الجديد في الولايات المتحدة، بنودًا صريحة تشير إلى احتمالية جمع ومعالجة معلومات حساسة للغاية قد تُستمد من محتوى الفيديوهات أو الاستبيانات التي يشاركها المستخدمون.
وتشمل هذه البيانات تفاصيل دقيقة وشخصية مثل الحياة الجنسية والتوجه الجنسي، والوضع كعابر جنسيًا أو غير ثنائي الجنس، بالإضافة إلى معلومات جوهرية أخرى تتعلق بحالة المواطنة ووضع الهجرة، والأصول العرقية أو الإثنية، والمعتقدات الدينية، وصولًا إلى التشخيصات الصحية والبيانات المالية.
ليست جديدة
ورغم حالة الذعر السائدة، بحسب “تِك كرانش” فإن هذه الإفصاحات ليست جديدة كليًا؛ إذ ظهرت صيغ مشابهة في سياسة الخصوصية التي حُدثت سابقًا في أغسطس 2024.
ويعود السبب الرئيسي وراء هذه الدقة في الصياغة واللغة الصريحة إلى ضرورة الامتثال لقوانين الخصوصية المحلية في الولايات، وتحديدًا قانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا وقانون حقوق الخصوصية التي تُلزم الشركات بالإفصاح بوضوح للمستهلكين عند جمع ما يُصنف قانونيًا كـ”معلومات حساسة”.
وقد أضيفت “حالة المواطنة والهجرة” تحديدًا إلى هذه الفئة القانونية بعد توقيع حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم على قانون جديد في أكتوبر 2023، مما جعل ذكرها في السياسة ضرورة قانونية لتجنب الدعاوى القضائية.
مناخ سياسي مشحون
وتزامن هذا القلق الرقمي مع مناخ سياسي مشحون في الولايات المتحدة، تميز بتصعيد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة تحت الإدارة الحالية، مما جعل المستخدمين أكثر حساسية تجاه أي بند يتعلق بوضعهم القانوني.
وقد تفاقمت هذه المخاوف في ظل احتجاجات واسعة شملت إغلاق مئات الشركات في ولاية مينيسوتا اعتراضًا على ممارسات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك والاشتباكات التي أدت إلى اعتقالات عديدة، مما حول بوصلة الخوف لدى المستخدمين من “التهديد الصيني” المحتمل سابقًا إلى قلق متزايد من احتمالية استغلال حكومتهم لهذه البيانات.




