
تتجه شركة “ميتا” نحو استثمار نوعي في قطاع الطاقة النووية، وذلك من خلال توفير تمويل مباشر لشراء وقود اليورانيوم اللازم لمفاعلات شركة “أوكْلو” الناشئة، في خطوة تعكس تنامي الثقة بآفاق الطاقة النووية المتقدمة.
وفي الوقت الراهن، تملك شركات التكنولوجيا مسارين رئيسين للاستثمار في الطاقة النووية؛ ويتمثل المسار الأول في شراء الكهرباء من مفاعلات تقليدية قائمة بالفعل، سواء عبر التعاقد المباشر على شراء الطاقة أو من خلال تمويل إعادة تشغيل وحدات نووية تم إيقافها سابقًا.
ويقوم المسار الثاني على الاستثمار في واحدة من عشرات الشركات الناشئة التي تعد بتسويق تصاميم وتقنيات مفاعلات لم تُستخدم من قبل تجاريًا في السوق الأمريكية لتوليد الكهرباء.
واتبعت “مايكروسوفت” النهج الأول عندما أبرمت، في عام 2024، صفقة لشراء الكهرباء من محطة “ثري مايل آيلاند” النووية التي أُعيد إحياؤها، كما راهنت في الوقت نفسه على شركة “هيليون”، إحدى الشركات التي تعد ببناء أول محطة طاقة اندماجية في الولايات المتحدة.
واختارت أمازون في المقابل المسار الثاني عبر الاستحواذ على حصة في شركة “إكس إنرجي” وهي شركة نووية من الجيل التالي، تمول أمازون إنشاء أول محطة طاقة لها في ولاية واشنطن.
أمّا “جوجل”، فقد جمعت بين النهجين، من خلال اتفاقيات لدعم إعادة تشغيل محطة نووية متوقفة في ولاية آيوا، والمساهمة في تمويل أول محطة لشركة “كايروس باور” المدعومة منها، والتي تعد حتى الآن شركة المفاعلات الوحيدة من فئتها التي وقّعت اتفاقية شراء طاقة مع شركة مرافق عامة.
وعلى النقيض من ذلك، اتبعت “ميتا” نهجًا أكثر حذرًا تجاه الطاقة النووية، فقد اقتصر انخراطها سابقًا على اتفاق لشراء الكهرباء من محطة نووية قائمة في ولاية إلينوي لتغذية مراكز بياناتها.
غير أن هذا الموقف بدأ يتغير الآن، إذ أعلنت “ميتا” عن رهان غير تقليدي على شركة “أوكْلو”، وهي واحدة من أكثر شركات المفاعلات النووية المتقدمة إثارة للجدل والاهتمام.
ميتا تدخل عالم الوقود النووي
وكشفت الشركة عن اتفاقية تلتزم بموجبها بدفع مبالغ نقدية مقدمة لـ”أوكْلو” لتمويل شراء الوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعلاتها، ومن شأن هذا الاتفاق أن يتيح لـ”أوكْلو” المضي قدمًا في خططها لإنشاء مجمع طاقة بقدرة 1.2 جيجاواط في مقاطعة بايك بولاية أوهايو.
ولم تُكشف عن تفاصيل الشروط المالية للصفقة، غير أن الرئيس التنفيذي لـ”أوكْلو”، جيك ديويت، قال في مقابلة مع مجلة “وايرد” إن الاتفاقية تمثل “واحدة من أكبر الصفقات في قطاع الطاقة النووية بشكل عام”.
يأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه أسعار الوقود النووي ارتفاعًا ملحوظًا، مع دخول حظر فيدرالي على بعض واردات اليورانيوم من روسيا حيز التنفيذ، إلى جانب تكهنات المستثمرين بإمكانية عودة بناء المفاعلات النووية على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة.
وتسعى “أوكْلو” للحصول على جزء من مخلفات البلوتونيوم المتبقية من برامج تصنيع القنابل الذرية في منتصف القرن الماضي، والتي يمكن لمفاعلات “أوكْلو” استخدامها كوقود.
وقالت أورفي باريخ رئيسة قسم الطاقة العالمية في “ميتا”، في بيان صحفي: “سيسهم هذا المشروع في خلق وظائف جديدة، وتحفيز الابتكار المحلي، وتعزيز ريادة الولايات المتحدة في تكنولوجيا الطاقة. ومن خلال الاستثمار في الطاقة النووية الأساسية، نحن نساعد على بناء مستقبل أكثر مرونة واستدامة لمجتمعاتنا”.
وبرزت “أوكْلو” خلال العام الماضي بوصفها نموذجًا يُحتذى لاحتمال إحداث ثورة في طريقة بناء محطات الطاقة النووية في الولايات المتحدة؛ فحتى وقت قريب، لم تنجح البلاد في بدء وإنجاز أي مفاعلات جديدة منذ جيل كامل.
ورغم أن الاتفاقية مع “ميتا” تعالج أحد أبرز التحديات التي واجهت “أوكْلو”، فإنها لا تحل جميع مشكلاتها؛ فقد أصبحت الشركة محط اهتمام واسع من المستثمرين الأفراد منذ إدراجها في البورصة عبر الاندماج مع شركة استحواذ ذات غرض خاص في مايو 2024، وارتفعت قيمتها السوقية إلى عشرات المليارات من الدولارات، مع رهان المتداولين على مستقبل مراكز البيانات المدعومة بالطاقة النووية.
وفي أكتوبر الماضي، قال مسؤول سابق في الهيئة، طلب عدم الكشف عن اسمه وكان قد أشرف على محاولة الترخيص السابقة في عام 2022، في تصريحات لـ”بلومبرج بيزنس”، إن الشركة “ربما تكون أسوأ مقدم طلب تعاملت معه الهيئة على الإطلاق”.
ومع ذلك، يرى محللون أن صفقة “ميتا” تمثل تحولًا مهمًا، وقال كريس غادومسكي، كبير محللي الطاقة النووية في مؤسسة “بلومبرج إن إي إف”: “نحن نتحرك أخيرًا نحو معالجة بعض المشكلات الجوهرية، فلقد حان الوقت، وفي جميع الأحوال، إنها شركة تستحق المتابعة عن كثب”.




