
تبرز شركة “ميركور” الناشئة، في قلب التحولات الجذرية التي تعصف بسوق العمل العالمي، كواحدة من أكثر النماذج إثارة للجدل في “وادي السيليكون”، حيث تقدم الشركة، التي قفزت قيمتها السوقية إلى عشرة مليارات دولار، نسخة مطورة ومعقدة من “اقتصاد العمل الحر”.
ولا تعتمد النسخة التي تقدّمها الشركة على توصيل الطلبات أو نقل الركاب، بل على استقطاب أصحاب “الياقات البيضاء” والخبرات العالية لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي التي قد تحل يومًا ما محل وظائفهم الأساسية.
وتقوم فلسفة الشركة، التي باتت حديث الأوساط التقنية في سان فرانسيسكو، على توظيف عشرات الآلاف من الخبراء في تخصصات دقيقة تشمل الطب والقانون والفلك والكتابة الإبداعية وحتى الكوميديا، وتتمثل مهمتهم في تعليم الخوارزميات كيف تفكر وتحلل وتكتب بلمسة إنسانية.
ويقوم هؤلاء بمراجعة مخرجات نماذج اللغة الضخمة وتصحيح أخطائها لصالح عمالقة التكنولوجيا مثل “OpenAI” و”Anthropic”، وقد شهد عام 2025 وحده استعانة الشركة بأكثر من ثلاثين ألف متعاقد لتنفيذ هذه المهام المعرفية الدقيقة.
وتغري “ميركور” المتقدمين بأجور استثنائية مقارنة بسوق العمل التقليدي، حيث يمكن لطبيب الأمراض الجلدية أن يتقاضى 250 دولارًا في الساعة للمساهمة في تطوير أدوات التشخيص الطبي، بينما يحصل الشعراء والكتاب على ما يصل إلى 150 دولارًا في الساعة لتعزيز الفهم العاطفي والأدبي للآلة.
وتفرض الشركة، للوصول لهذه الوظائف، عملية تقييم صارمة ومقابلات أولية تجريها جهة ذكاء اصطناعي بصوت ذكوري لضمان كفاءة المتقدمين، مع استخدام برمجيات رقابة لتتبع العمل ومنع استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم نفسه.
ويأتي هذا التوسع الهائل في توقيت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من حالة عدم يقين وارتفاع في معدلات البطالة، مما جعل العمل المؤقت مع “ميركور” طوق نجاة للكثيرين رغم ما يحمله من مفارقات وجودية.
وتوفر الشركة دخلًا مجزيًا في زمن الشح الوظيفي، يجد المتعاقدون أنفسهم في صراع داخلي بين الحاجة المالية والقلق من المستقبل، وهو ما عبرت عنه بوضوح محررة الفيديو كاتي ويليامز، التي تتقاضى 45 دولارًا في الساعة، حين وصفت عملها ساخرة بأنها “تدرب الذكاء الاصطناعي ليأخذ وظيفتها يومًا ما”.
ويشارك ويليامز في مشاعرها الصحفي بيتر فالديس-دابينا، الذي وجد نفسه يراجع مقالات تكتبها الآلة بعد عقود من العمل الصحفي البشري.
ورغم أن الشركة تدافع عن نموذجها مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لا يعني نهاية العمل البشري بل يتطلب نقلًا للخبرات لضمان دقة النتائج، إلا أن المراقبين يرون أن المتعاقدين يقفون اليوم في منطقة رمادية، يساهمون بأيديهم في صياغة ملامح سوق عمل جديد قد لا يكون لهم فيه مكان مستقبلًا.




