حققت صناعة أشباه الموصلات الصينية اختراقًا محتملًا في بناء آلات تصنيع الرقائق التي طالما هيمنت عليها شركة “إيه إس إم إل ASML” الهولندية، حيث توصلت شركة مدعومة من الصين في مدينة شنغهاي إلى طريقة لإنتاج ما يُعرف بأدوات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة الغاطسة، والقادرة على تصنيع الرقائق الأكثر استخدامًا.
وتأتي هذه القفزة التكنولوجية، التي تفوق التوقعات الغربية، ضمن مساعي بكين لتحقيق اكتفاء ذاتي أكبر في إنتاج أشباه الموصلات ومعداتها بعد سنوات من ضوابط التصدير الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ويفرض هذا التطور تهديدًا مزدوجًا للشركة الهولندية إذا نجحت الصين في الإنتاج الضخم لهذه الآلات واستخدامها لصنع رقائق معقدة، كما يشكل معضلة كبرى لشركات غربية مثل “إنفيديا”، إذ ستفقد الشركات الصينية دافعها لانتظار المنتجات الغربية المقيدة.
وتشكل آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة DUV العمود الفقري لتصنيع أشباه الموصلات الحديثة التي تشغل مختلف الأجهزة بدءًا من السيارات وحتى المعدات الطبية، حيث تستخدم الضوء لعرض تصميمات الدوائر على رقائق مغطاة بطبقة حساسة للضوء.
وتمثل التكنولوجيا الغاطسة التي قيل إن الصين باتت قادرة على إنتاجها خطوة متقدمة، إذ يتم تسليط الضوء عبر طبقة من الماء بين عدسة الأداة والرقاقة لطباعة أنماط أكثر تعقيدًا.
وفي المقابل، تظل أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى EUV الأحدث على الإطلاق والضرورية لتصنيع رقائق متطورةٍ مثل مسرعات الذكاء الاصطناعي من “إنفيديا” ومعالجات هواتف “آبل”، حكرًا على الشركة الهولندية بتكلفة تتجاوز 200 مليون دولار للآلة الواحدة، مقارنةً بنحو 90 مليون دولار لآلات الأشعة الغاطسة.
ولطالما اعتمد المنتجون الصينيون بكثافة على آلات الشركة الهولندية التي كانت الصين أكبر أسواقها حتى العام الحالي، قبل أن تتأثر بالحرب التجارية، حيث ضغطت إدارة ترامب في عام 2019 لحظر مبيعات آلات (EUV) لبكين، لتتوسع القيود في عهد بايدن وتشمل بعض آلات DUV الغاطسة، ما دفع العملاء الصينيين لشراء المعدات الأقدم، علمًا بأن الآلات المسموح بتصديرها حاليًا متأخرة بثمانية أجيال عن أحدث طراز، بحسب بلومبرج.
ولمواجهة ذلك، نجحت “مجموعة معدات الإلكترونيات الدقيقة في شنغهاي” في إنتاج آلاتٍ منخفضة الجودة للرقائق العادية، بينما لجأت شركات مثل “الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات SMIC” إلى تقنية “النمذجة المتعددة” باستخدام أنظمة DUV الغاطسة لإنتاج رقائق متقدمة، رغم ما يصاحبها من تكاليف أعلى وعيوب محتملة في دقة المحاذاة.
وبالتوازي، طورت “هواوي” تقنية أطلقت عليها اسم “الطي المنطقي” والتي قد تمكنها من صنع رقائق بأداء يوازي 1.4 نانومتر بحلول عام 2031، مما يضيق الفجوة مع عملاق التصنيع التايواني TSMC فضلًا عن قيام الصين بتطوير نماذج أوليةٍ لآلات EUV بمساعدة مهندسين سابقين في “إيه إس إم إل”، مع ضخ “الصندوق الكبير” لمليارات اليوانات لدعم الموردين المحليين.
ورغم هذه الجهود المكثفة، يظل الإنتاج الضخم هو الاختبار الحقيقي، حيث يشير المحللون إلى أن تطوير عدد محدود من آلات DUV الغاطسة لا يعني بالضرورة القدرة على الإنتاج بكميات كبيرة وموثوقة، خاصةً وأن بعض المكونات الرئيسية لا تزال تُستورد من اليابان.
ووفقًا لمحلل “بلومبرج إنتليجنس”، ماساهيرو واكاسوجي، قد تستغرق الصين من 7 إلى 10 سنوات لسد الفجوة التكنولوجية بالكامل مع “إيه إس إم إل” في آلات الطباعة الحجرية، في حين قد يستغرق استبدال المعدات الأجنبية وقتًا أطول.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه بكين خطر تشديد القيود الأمريكية، عقب تقديم مشرعين أمريكيين لمشروع قانون في أبريل الماضي يهدف إلى تقييد مبيعات جميع آلات DUV الغاطسة للصين، ومنع مهندسي الشركة الهولندية من تقديم خدمات الصيانة لتلك التكنولوجيا.

