
مدهو غوتوموكالا القائم بأعمال مدير وكالة الأمن السيبراني الأمريكية.. مسيرة مهنية متشعبة تضعه في قلب العاصفة
في صيفٍ بدا عاديًا داخل أروقة الحكومة الفيدرالية في واشنطن، تحوّل اسم مدهو غوتوموكالا، القائم بأعمال مدير وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية (CISA)، إلى محور عاصفة إعلامية وأمنية، بعدما كشفت تقارير صحافية عن قيامه برفع وثائق حكومية داخلية موسومة بعبارة “للاستخدام الرسمي فقط” إلى نسخة عامة من تطبيق ChatGPT.
الوثائق لم تكن مصنّفة “سرية للغاية” بالمعنى القانوني الصارم، لكنها كانت كافية لإطلاق تحذيرات آلية متتالية داخل الشبكات الفيدرالية، ولفتح مراجعة داخلية على مستوى وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) لتقدير حجم الضرر المحتمل.
وبينما أكدت الوكالة أن استخدام غوتوموكالا للتطبيق كان “محدودًا وقصير الأجل” وتحت ضوابط الوزارة، بقيت نتائج التقييم النهائي غير مُعلنة، لتتحول الحادثة إلى مرآة تعكس مأزقًا أوسع: كيف يمكن للمؤسسات الحكومية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي العامة دون أن تتحول إلى قنوات تسريب غير مقصود؟
بحسب التسلسل الزمني الذي أوردته التقارير، انضم غوتوموكالا إلى وكالة CISA في مايو 2025، وحصل على استثناء خاص لاستخدام ChatGPT في وقت كان فيه التطبيق محظورًا افتراضيًا على معظم موظفي وزارة الأمن الداخلي.
ومع حلول أغسطس، التقطت أنظمة المراقبة السيبرانية عدة إنذارات خلال الأسبوع الأول وحده، بعد رفع وثائق تعاقدية داخلية مصنّفة “للاستخدام الرسمي فقط” إلى المنصة العامة؛ فهذا التصنيف، وإن كان لا يوازي “السرية” من حيث القيود القانونية، فإنه يشير إلى معلومات حساسة غير مخصصة للنشر أو التداول المفتوح.
عند تلك النقطة، تدخلت مستويات عليا داخل وزارة الأمن الداخلي، من المستشار القانوني بالإنابة إلى كبار مسؤولي المعلومات، لمراجعة المواد المرفوعة وتقييم احتمالات احتفاظ النموذج اللغوي بها أو إعادة استخدامها؛ فالمفارقة هنا تكاد تكون تعليمية: الأداة التي يُنظر إليها بوصفها مسرّعًا للإنتاجية قد تتحول، عند سوء الاستخدام، إلى عامل يربك مسارًا مهنيًا كاملًا.
نسخ ChatGPT العامة
والمعروف أن النسخ العامة من منصات الذكاء الاصطناعي قد تحتفظ بالمدخلات لتحسين أدائها، ومع تغيّر سياسات الخصوصية وتباينها، يبقى الحذر هو القاعدة الذهبية عندما يتعلق الأمر ببيانات حكومية، حتى تلك التي لا تحمل ختم “سري للغاية”.
وفي محاولة لتحجيم التداعيات، شددت CISA على أن استخدام غوتوموكالا للتطبيق تم ضمن ضوابط DHS ولأغراض محدودة ومؤقتة، مؤكدة في الوقت نفسه استمرار سياسة الحظر الافتراضي على أدوات الذكاء الاصطناعي العامة ما لم يُمنح استثناء صريح ومحدد؛ غير أن القصة تجاوزت كونها إجراءً إداريًا معزولًا، لتعيد فتح ملف مؤجل داخل مؤسسات الدولة وهو كيف تُنظّم العلاقة مع أدوات الذكاء الاصطناعي العامة؟
داخل وزارة الأمن الداخلي، توجد بالفعل بدائل داخلية، مثل روبوتات محادثة معزولة تعمل داخل البنية الفيدرالية وتمنع تقنيًا وتنظيميًا خروج المدخلات إلى الإنترنت العام؛ لكن سهولة الاستخدام والمرونة التي توفرها المنصات الجماهيرية، والتي يعتمد عليها مئات الملايين حول العالم، تجعل تجاوز المسارات البيروقراطية إغراءً قائمًا.
*من الهند إلى أمريكا*
بعيدًا عن العاصفة، تعكس سيرة غوتوموكالا مسارًا أكاديميًا ومهنيًا متشعبًا؛ فقد وُلد في 29 أكتوبر 1976 بولاية أندرا براديش الهندية، وانتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على بكالوريوس الهندسة، ثم ماجستير في علوم الحاسب، وماجستير إدارة أعمال، قبل أن يختتم مسيرته الأكاديمية بدكتوراه في نظم المعلومات.
وعلى مدى أكثر من 24 عامًا، تنقل بين مناصب قيادية في القطاعين العام والخاص، وبرز اسمه في ولاية ساوث داكوتا قبل انتقاله إلى الساحة الفيدرالية نائبًا لمدير CISA ثم قائمًا بأعمالها.
لكن فترة قيادته لم تخلُ من الجدل، إذ سبقتها تقارير عن توترات داخلية، واختبارات أمنية مثيرة للنقاش، وقرارات إدارية واجهت اعتراضات داخل الوكالة؛ حيث رسمت هذه الخلفية بيئة عمل متوترة، أضافت طبقة أخرى من التعقيد إلى أي خطأ تقديري يتعلق بالبيانات والأدوات الرقمية.
في المقابل، يتحرك غوتوموكالا ضمن تيار إداري يدفع بقوة نحو تحديث مؤسسات الدولة بالذكاء الاصطناعي؛ فالخطاب الرسمي يؤكد التزام CISA بتسخير التقنيات المتقدمة تنفيذًا لتوجيهات البيت الأبيض؛ غير أن تسريع التبنّي لا يلغي الحاجة إلى تباطؤ محسوب عند حواف المخاطر، عبر تدريب إلزامي صارم وبروتوكولات واضحة وأنظمة تدقيق فعالة.




