تواجه شركة “إنفيديا” مرحلة مفصلية في علاقتها بالسوق الصينية، بعدما أقر رئيسها التنفيذي، جينسن هوانغ، عمليًا بتراجع قدرة الشركة على المنافسة داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وجاء هذا التراجع نتيجة تشديد القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة، وتصاعد جهود بكين لبناء منظومة محلية مستقلة للذكاء الاصطناعي تقودها شركة “هواوي”.
واعترف هوانغ في مقابلة مع شبكة “سي إن بي سي” بأن شركته تنازلت فعليًا عن هذه السوق لـ”هواوي” التي وصفها بالقوية جدًا محققةً عامًا قياسيًا، مشيرًا إلى أن إخلاء “إنفيديا” للسوق الصينية منح الشركات المحلية موقعًا متقدمًا للغاية لتلبية الطلب الضخم هناك، وهو ما ناقشه هوانغ سرًا مع مشرعين أمريكيين لإطلاعهم على تنامي قدرات “هواوي” التقنية.
وتزامن هذا التحول مع إعلان المديرة المالية لـ”إنفيديا”، كوليت كريس، أن الشركة لم تحقق حتى الآن أي إيرادات من مبيعات معالجها “H200” داخل الصين، برغم حصولها على تراخيص تصدير أمريكية، لافتةً إلى استمرار الغموض بشأن سماح السلطات الصينية بدخول هذه المنتجات، مما دفع الشركة إلى استبعاد إيرادات مراكز البيانات الصينية تمامًا من توقعاتها المالية للربع الجاري.
وتكشف هذه التطورات أن عقبات “إنفيديا” تجاوزت القيود الأمريكية إلى سياسات صينية داخلية تستهدف تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية؛ إذ رفضت بكين منح موافقات استيراد معالجات “H200” عقب قمة جمعت الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ، كما أوقفت السلطات الصينية منذ 15 مايو الجاري إصدار تصاريح استيراد بطاقة “RTX 5090D V2” القائمة على معمارية “بلاك ويل” والمخصصة للصين، بعدما استغلتها شركات الذكاء الاصطناعي المحلية كبديل لرقائق “H100” المحظورة في عمليات التدريب والاستدلال.
وفتح هذا التشدد الجيوسياسي الباب أمام صعود الكيانات الصينية، حيث تدفع بكين شركاتها الكبرى مثل “علي بابا” و”تنسنت” و”بايت دانس” نحو الاعتماد على معالجات “Ascend 920” الجديدة من “هواوي” ومسرعات “Siyuan” من “كامبريكون”، بالتزامن مع كشف “علي بابا” عن معالجها الخاص “T-Head Zhenwu M890” وبدء إنتاجه التجاري.
ورغم هذه الأزمة المتفاقمة في الصين، واصلت “إنفيديا” تسجيل نتائج مالية قياسية مدفوعة بالطلب العالمي الهائل؛ إذ قفزت إيراداتها الفصلية المنتهية في 26 أبريل بنسبة 85% لتصل إلى 81.62 مليار دولار مقارنة بـ 44.06 مليار دولار قبل عام، متجاوزةً تقديرات السوق.
وسجل قطاع مراكز البيانات وحده رقمًا قياسيًا بلغ 75.2 مليار دولار بنمو سنوي نسبته 92%، مدفوعًا بالطلب على تقنيات “Blackwell GB300” وأنظمة الربط الشبكي، حيث ساهمت شركات الحوسبة السحابية بنحو نصف هذه العائدات بقيمة 37.9 مليار دولار.
ومن جانب آخر، ووفقًا لتقرير وكالة “رويترز”، يتطلع هوانغ إلى كسر قيود الحظر عبر دخول أسواق جديدة؛ إذ أعلن أن توقعاته لمستقبل معالجات الحوسبة المركزية CPUs البالغة 200 مليار دولار تشمل الصين أيضًا، مراهنًا على طفرة “الذكاء الاصطناعي الوكيل التي تتطلب أنظمة ذاتية الأداء تتجاوز قدرات معالجات الرسوميات التقليدية.
وتسعى “إنفيديا” لطمأنة المستثمرين بقدرتها على الحفاظ على نموها الاستثنائي والوصول إلى مستهدفها البالغ تريليون دولار من مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي، مدعومةً بإطلاق منصة المعالجات المركزية الجديدة “فيرا”.
ولدعم هذا التوجه، يزور هوانغ تايوان لتكثيف إنتاج منصة “فيرا روبين” خلال النصف الثاني من العام الجاري، مؤكدًا أن استثمارات ودعم “إنفيديا” لسلسلة التوريد التايوانية تفوق بكثير خطة الاستثمار المعلنة من منافستها “AMD” والبالغة 10 مليارات دولار، ومتطلعًا لعقد اجتماعات استراتيجية مع شركة “TSMC” المصنعة لرقائقها.
وتتابع “إنفيديا” عن كثب التحقيقات القضائية في تايوان مع ثلاثة أشخاص يشتبه في تهريبهم خوادم ذكاء اصطناعي متطورة تصنعها شركة “سوبر ميكرو” وتحتوي على رقائق خاضعة لرقابة الصادرات الأمريكية.
وتأتي هذه التحقيقات بعد توجيه وزارة العدل الأمريكية اتهامات لمسؤولين في “سوبر ميكرو” في مارس الماضي بتهريب تقنيات رقائق أمريكية إلى الصين بقيمة 2.5 مليار دولار.
وعلق هوانغ على هذه القضية بالقول إن “إنفيديا” تطبق إجراءات رقابية صارمة للغاية مع شركائها لضمان الامتثال للقوانين، مشددًا على أن “سوبر ميكرو” تتحمل مسؤولية إدارة شركتها وتطوير آليات امتثالها لمنع تكرار هذه الانتهاكات مستقبلًا، مما يبرز تحول المنافسة التقنية من مجرد سباق تجاري إلى معركة جيوسياسية معقدة بين واشنطن وبكين.