انتقل قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية من مجرد نشاط ترفيهي هامشي ليصبح واحدًا من أسرع الصناعات الرقمية نموًا وتأثيرًا على مستوى العالم؛ إذ تشير التحليلات الاقتصادية الدقيقة إلى أن هذه الصناعة باتت تتجاوز إيراداتها السنوية حاجز 184 مليار دولار أمريكي في عام 2023، مع توقعات ببلوغها 207 مليارات دولار بنهاية عام 2026، متفوقة بذلك على صناعتي السينما والموسيقى مجتمعتين؛ وفقًا لموقع PWC المتخصص في التحليلات الاقتصادية.
وبرزت السعودية كقوة استثمارية واستراتيجية تسعى لإعادة رسم ملامح هذه الصناعة عالميًا، مستندة إلى إطار “رؤية 2030″ التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل القومي بعيدًا عن العوائد النفطية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، والابتكار التقني، والملكية الفكرية؛ وفقًا لـ”رؤية السعودية 2030”.
الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية
وتوجت السعودية جهودها بإطلاق “الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية” في سبتمبر 2022، والتي تضمنت التزامات مالية تتجاوز 38 مليار دولار “حوالي 142 مليار ريال سعودي” يتم ضخها عبر صندوق الاستثمارات العامة والذراع التنفيذية التابعة له، مجموعة “سافي” للألعاب.
وتتميز السوق السعودية بخصائص ديموغرافية فريدة تدعم التحول نحو الاقتصاد الرقمي؛ إذ تشير البيانات إلى أن المملكة تمتلك أكثر من 23.5 مليون ممارس للألعاب الإلكترونية، وهو ما يمثل حوالي 67% من إجمالي عدد السكان، ووفقًا لـ”PWC” يبلغ متوسط الوقت الذي يقضيه اللاعب السعودي نحو 80 ساعة شهريًا، متفوقًا على العديد من المعدلات العالمية.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن شركات الاستشارات العالمية مثل ديلويت، وPwC إلى تنوع ديموغرافي ملحوظ، حيث تشكل الإناث نسبة 48% من مجتمع اللاعبين في المملكة، بينما تتركز نسبة 44% من إجمالي اللاعبين في الفئة العمرية الشابة بين 18 و35 عامًا.
وأثبت الجمهور السعودي تفاعلًا عاليًا مع الإعلانات داخل الألعاب، حيث أشار 55% من اللاعبين إلى أنهم استلهموا قرارات شراء لمنتجات متعلقة بالألعاب بناءً على إعلانات مدمجة، في حين قام 25% بشراء منتجات غير متعلقة بالألعاب عبر نفس القنوات.
وعمومًا قُدرت قيمة سوق الألعاب في المنطقة (السعودية، الإمارات، مصر) بنحو 1.92 مليار دولار في عام 2023، مع توقعات بنموها لتصل إلى 2.65 مليار دولار بحلول 2027، وتستحوذ السعودية على الحصة الأكبر من هذا التوسع.
وحدد المحللون الاقتصاديون ظاهرة هيكلية تُعرف بـ”تسرب القيمة”؛ ففي السنوات الماضية، كانت النسبة الأكبر من العوائد الاقتصادية الناتجة عن استهلاك الألعاب في المملكة تتجه إلى خارج الحدود، لتصب في ميزانيات الناشرين العالميين، ومتاجر التطبيقات الأجنبية، ومنصات البث الرقمي، مما يحد من العوائد المحتفظ بها محليًا.
وجاءت “الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية” كتدخل حكومي مدروس، والتي تضع أهدافًا كمية صارمة بحلول عام 2030، تتمثل في تحقيق مساهمة مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 50 مليار ريال سعودي “حوالي 13.3 مليار دولار”، وخلق 39,000 فرصة عمل نوعية تشمل مجالات البرمجة، والتصميم الفني، والكتابة السردية، والتسويق الرقمي.
وتستهدف الاستراتيجية تأسيس 250 شركة محلية لتطوير الألعاب، وإنتاج 30 لعبة قادرة على المنافسة ضمن أفضل 300 لعبة عالمياً. هذا التحول يتطلب بنية تحتية قانونية، وتعليمية، وتقنية ضخمة تُدار من قبل كيانات سيادية ذات قدرة على تنفيذ تحركات استراتيجية واسعة النطاق.
وبالتزامن مع إطلاق عمليات “سافي”، كان صندوق الاستثمارات العامة قد شرع بالفعل في بناء محفظة استثمارية سيادية تضم حصص أقلية ذات أوزان نسبية مؤثرة في كبرى شركات نشر الألعاب حول العالم، وقد تضمنت هذه المحفظة استثمارًا التزاميًا بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار لامتلاك حصة تصل إلى 8.6% في عملاقة الألعاب اليابانية “نينتندو”، واستثمارات بمليارات الدولارات في كل من “أكتيفيجين بليزارد” قبل استحواذ مايكروسوفت عليها، و”كابكوم”، و”نيكسون”، و”إمبريسر”، بالإضافة إلى الاستحواذ التاريخي على حصة الأغلبية الساحقة بنسبة 96% في شركة SNK اليابانية بقيمة تتجاوز مليار دولار.
وشهدت استراتيجية “سافي” نقطة تحول تنفيذية عند استحواذها الكامل على مجموعة ESL وشركتها FACEIT بقيمة 1.5 مليار دولار، لدمجهما في كيان تشغيلي واحد ESL FACEIT Group، فوفقًا لموقع “إل ماركس”، يمثل هذا الاستحواذ سيطرة فعلية على “العمود الفقري” للبنية التحتية العالمية للرياضات الإلكترونية.
ومن خلال هذا الكيان، أصبحت السعودية تتحكم في العمليات التشغيلية، ومنصات البطولات، والتنظيم الاحترافي للفعاليات، مما أتاح لها لاحقًا استضافة مهرجانات كبرى مثل “موسم الجيمرز” Gamers8، و”كأس العالم للرياضات الإلكترونية بقدرات تنفيذية هائلة.
وتلا ذلك الاستحواذ على شركة “سكوبلي” الأمريكية المتخصصة في تطوير ونشر ألعاب الهواتف المحمولة بقيمة 4.9 مليار دولار، وهو ما منح “سافي” موطئ قدم راسخ في قطاع الألعاب المحمولة الذي يشهد أعلى معدلات النمو العالمي.
وأثبتت هذه الصفقة الجريئة جدواها الاقتصادية السريعة بشكل استثنائي، لاسيما مع النجاح المالي الساحق للعبة Monopoly GO التي تجاوزت إيراداتها 3 مليارات دولار، لتكون المحرك المالي الرئيسي لنجاحات مجموعة “سافي” في 2024، حاصدة جائزة أفضل لعبة في جوائز ألعاب الهواتف المحمولة، وفقًا لموقع “بوكيت جيمر”.
واستمرت مسيرة الاستحواذات التوسعية لـ”سكوبلي” تحت إدارة “سافي”، حيث أبرمت صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار في عام 2025 للاستحواذ على أعمال الألعاب لشركة Niantic -مطورة اللعبة الشهيرة Pokemon GO- مما يعزز من هيمنة المملكة على تقنيات الواقع المعزز والعمليات الحية.
الاستحواذ على “إلكترونيك آرتس EA”
واستحوذت السعودية على مطوّر الألعاب الشهير “إلكترونيك آرتس Electronic Arts – EA” والتي تمثل ذروة الطموح الاستثماري السعودي، وتُعد أكبر عملية شراء مدعومة بالقروض في التاريخ المالي لصناعة الألعاب الإلكترونية.
وفي أواخر عام 2025، أعلن تحالف استثماري وازن يضم صندوق الاستثمارات العامة وشركة إدارة الأصول “سيلفر ليك” وشركة “أفينيتي بارتنرز” توقيع اتفاقية نهائية شاملة للاستحواذ الكامل على شركة EA وتحويلها من شركة مساهمة عامة إلى شركة خاصة.
نظام محلي لتطوير الألعاب السعودية.. أبرز الشركات
بالتوازي مع الاستراتيجية السعودية للاستحواذ على كبرى شركات الألعاب، تعمل المملكة على نظام محلي مزدهر لتطوير الألعاب من الصفر، وقد بدأت ملامحه تتبلور بشكل ملموس من خلال بروز عدة استوديوهات سعودية متطورة تلعب كل منها دورًا محوريًا في خدمة أهداف رؤية 2030 المتمثلة في إنتاج محتوى عربي أصيل، وتأسيس 250 شركة، وخلق الوظائف.
UMX Studio
تأسس “يو إم إكس ستوديو” UMX Studio في 2014، حيث يركّز منذ انطلاقته على تقديم تجارب ألعاب محمولة تعكس الثقافة والقيم المحلية، وكان أول نجاحاته الكبرى لعبة Climbing Sand Dune التي تصدرت قوائم التحميل الإقليمية، وقد أثمر هذا التوجه الثقافي الممزوج بالجودة التقنية عن تحقيق ألعاب الاستوديو لأكثر من 70 مليون عملية تحميل، مما جعله محط أنظار الشركات التقنية الكبرى.
شركة Sand Soft
وتُمثل شركة “ساندسوفت” نموذجًا متطورًا للاستوديوهات ذات الهيكل الإداري والتشغيلي العالمي، ولا يقتصر دورها على تطوير الألعاب داخليًا، بل تلعب دور الناشر الإقليمي المتخصص في تقديم خدمات متكاملة تشمل التعريب، وتحسين المنتجات والمواءمة الثقافية والدعم التسويقي لدخول الألعاب العالمية إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المتسارعة النمو.
استوديو “سبويلز” Spoilz Games
تأسس استوديو “سبويلز” في عام 2017 في مدينة الرياض، وركز استراتيجيته التوسعية على تطوير ونشر ألعاب الهواتف المحمولة الترفيهية السريعة التي تتوافق مع طبيعة الاستهلاك الرقمي المعاصر لفترات اللعب القصيرة، والذي أثمر عن إطلاق مجموعة من الألعاب الناجحة مثل: Airport Swap، وCamel Run، وCity Distroyer.
مانجا للإنتاج Manga Production
تركز الشركة على ابتكار محتوى إبداعي يدمج التراث العربي بقوالب فنية عالمية، لاسيما من خلال بناء علاقات إنتاج مشترك مع قطاع الأنمي الياباني، وأطلقت الشركة ألعابًا مجانية مبنية على مسلسلها الشهير Future’s Folktales، مثل لعبة Ghoul’s Cave، ولعبة Dhafer the Champion، والقصة المصورة “بيسة”.
ماذا يعني ذلك؟
تاريخيًا، ظل النفوذ في صناعة الألعاب وصناعة القرار التقني محتكرًا بين أسواق الولايات المتحدة، واليابان، والصين؛ لذا فإنَّ دخول استثمارات نقدية بقيمة تقارب الـ55 مليار دولار في أصول محددة “ميزانية سافي بالإضافة إلى صفقة إلكترونيك آرتس التمويلية”، يعيد تموضع مركز الثقل الرأسمالي نحو منطقة الشرق الأوسط كأحد أهم محركات النمو التقني، وفقًا لورقة بحثية صادرة عن جامعة مانشستر البريطانية بعنوان “نحو اقتصاد جيوسياسي للرياضات الإلكترونية: فهم استثمارات المملكة العربية السعودية”.
وتشير الورقة إلى أنّه بدمج استحواذات صندوق الاستثمارات العامة في الرياضات الواقعية “كرة القدم الإنجليزية والمحلية، بطولات الجولف، والملاكمة” مع الاستحواذ الرقمي على “إلكترونيك آرتس”، تصبح السعودية الكيان الاقتصادي الوحيد عالميًا القادر على صياغة تجربة استهلاكية متكاملة للمشجعين عبر الفضاءين الواقعي والافتراضي؛ فهذا الاحتكار المزدوج يخلق فرصًا اقتصادية غير محدودة من حيث حقوق البث، الرعاية الإعلانية، وتوليد وتحليل البيانات الضخمة لمليارات المستخدمين.
ووفقًا للورقة؛ فبدلًا من استيراد الثقافات الأجنبية ودمجها محليًا، تقوم السعودية ببناء قنوات عكسية لتصدير هويتها الثقافية؛ فالشراكات الاستراتيجية الناجحة التي قادتها “مانجا للإنتاج” لدمج القصص العربية بقوالب الأنمي الياباني المقبولة عالميًا، بالإضافة إلى عمليات التعريب والتطوير التي تقودها استوديوهات مثل “يو إم إكس” و”ساندسوفت”، تؤسس لقوة ناعمة حديثة، تحول الألعاب الإلكترونية ومحتواها التفاعلي إلى جسر حضاري فعّال للتواصل مع الأجيال الشابة عالميًا بطريقة سلسة ومؤثرة.

