يعقد البنك المركزي المصري مساء اليوم الخميس، 29 أكتوبر 2026، اجتماعه الدوري قبل الأخير لهذا العام للجنة السياسة النقدية، لحسم مصير أسعار الفائدة وسط بيئة اقتصادية بالغة التعقيد.
وتتجه أنظار ومجمل توقعات المحللين إلى إبقاء اللجنة على أسعار العائد الأساسية دون تغيير عند مستوياتها الحالية البالغة 19% للإيداع و20% للإقراض، و19.50% لسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم.
ويأتي هذا الاجتماع المرتقب امتدادًا لسلسلة من قرارات التثبيت التي أعقبت خفضًا للفائدة بواقع 100 نقطة أساس في فبراير الماضي، ليصل إجمالي التيسير النقدي منذ عام 2025 إلى 825 نقطة أساس، في أعقاب دورة تشديد عنيفة بدأت في 2022 وشهدت رفع الفائدة بمقدار 1900 نقطة أساس.
وتتخذ لجنة السياسة النقدية قرارها اليوم في ظل تداخل شبكة من العوامل المتباينة؛ فمن جهة، سجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية تباطؤًا للشهر الثاني على التوالي ليصل إلى 13.9% في سبتمبر 2026، انخفاضًا من 14.5% في أغسطس.
ومن جهة أخرى، تتصاعد المخاطر المحيطة بمسار الأسعار نتيجة التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط والسلع عالميًا، إلى جانب التراجع الأخير في قيمة الجنيه المصري الذي تجاوز مستوى 56 جنيهاً للدولار في أواخر أكتوبر، فاقدًا نحو 6.4% من قيمته منذ بداية الشهر وسط ضغوط خروج بعض استثمارات الأجانب من أدوات الدين المحلية.
وفي خضم هذه التحديات، تبرز تباينات واضحة في رؤى الخبراء حول المسار الأمثل للسياسة النقدية؛ فمن جانبه، يغرد المفكر الاقتصادي شريف دلاور خارج سرب التوقعات، داعيًا البنك المركزي إلى اتخاذ خطوة استباقية برفع الفائدة بمقدار 50 إلى 100 نقطة أساس، وفقًا للشرق بلومبرج.
ويبرر دلاور رؤيته بضرورة حماية الجنيه ومواجهة الضغوط التضخمية تحسبًا لأي قرار محتمل من الفيدرالي الأميركي برفع الفائدة في ديسمبر، ما قد يؤدي إلى نزوح “الأموال الساخنة”.
ويحذر دلاور من خطورة الاعتماد المستمر على الإيرادات الريعية والتدفقات المالية سريعة التقلب، معتبرًا أن محاولات التنبؤ بأسعار الصرف في هذه البيئة أشبه بـ”التنجيم الاقتصادي”.
ويشدد على أن الضمانة الحقيقية للاقتصاد تكمن في بناء قاعدة إنتاجية صلبة وليس في استنزاف الاحتياطيات النقدية للدفاع عن العملة، منتقدًا في الوقت ذاته استمرار الاعتماد على سياسات صندوق النقد الدولي الذي يُجري حاليًا مراجعته الثامنة والأخيرة لبرنامج التمويل البالغ 8 مليارات دولار.
على النقيض من ذلك، تتفق علياء مبيض، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط في “جيفريز”، مع محاذير استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، لكنها ترى أن معالجة الضغوط التضخمية وحماية القوة الشرائية للمواطنين يجب أن تتم عبر أدوات السياسة المالية وليس النقدية.
وتحذر مبيض -في تصريحات للشرق بلومبرج- من أن تدخل البنك المركزي لتثبيت سعر الصرف قد يعيد إنتاج أزمتي 2022 و2023، مؤكدة أن إبطاء وتيرة إصلاح منظومة الدعم، وتحديداً تأجيل زيادات أسعار الطاقة -وهو ما تجسد مؤخراً في قرار لجنة التسعير التلقائي بتثبيت أسعار الوقود- يُعد أداة فعالة للجم التضخم الناتج عن انخفاض قيمة العملة، وتخفيف العبء عن الفئات الأكثر هشاشة.
وتصطف 11 مؤسسة مالية وبنك استثمار، استطلعت “الشرق بلومبرج” آراءها، خلف توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة الحالية. وتستند مؤسسات مثل “ثاندر”، “الأهلي فاروس”، “سي آي كابيتال”، و”إتش سي” في ترجيحاتها إلى أن استقرار التضخم المحلي نسبياً وإرجاء زيادة أسعار المحروقات يمنحان المركزي مساحة للتريث.
وترى هذه المؤسسات أن الحفاظ على مستويات الفائدة الحقيقية المرتفعة -حيث تظل عوائد أدوات الدين جاذبة وتسجل عائدًا حقيقيًا إيجابيًا يقارب 10.5% للمستثمرين الأجانب- يكفي لامتصاص الصدمات الحالية دون الحاجة لمزيد من التشديد الذي قد يفاقم أعباء الموازنة العامة ويزيد تكلفة تمويل الشركات، خاصة مع استمرار ضبابية المشهد الجيوسياسي عالميًا.
ورغم هذه الضغوط المعقدة، يدخل البنك المركزي اجتماع اليوم مدعومًا بحوائط صد قوية ومؤشرات مالية إيجابية؛ فقد أكد المحافظ حسن عبدالله تمسك البنك بمرونة سعر الصرف كخط دفاع أول لامتصاص الصدمات الخارجية، مشددًا على أن المركزي لا يستهدف سعرًا محددًا للجنيه بل يترك ذلك لآليات السوق.
وتتزامن هذه المرونة مع طفرة في السيولة الأجنبية، حيث قفزت الاحتياطيات الدولية إلى 57.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وتحول صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي إلى فائض قدره 31.2 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع قياسي في تحويلات المغتربين التي بلغت 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026.
وتمنح هذه العوامل البنك المركزي الثقة لمواصلة استهداف خفض التضخم إلى 7% بنهاية عام 2027، بشرط تجنب صدمات عرض جديدة، ليظل التحدي الأكبر أمامه اليوم هو صياغة قرار يحقق التوازن الدقيق بين ترويض الأسعار ودعم عجلة الإنتاج.

