تشهد كبرى الشركات الأمريكية تحولًا استراتيجيًّا لافتًا؛ حيث بدأت في التراجع عن سياسة «تجميد التوظيف» التي اعتبرتها خلال الأشهر الماضية ملاذًا أخيرًا ومكلفًا، لتعلن شركات عملاقة تمتد من شركة النقل والسكك الحديدية «CSX» إلى «Alphabet»، الشركة الأم لـ«جوجل»، خلال الأيام الماضية عن خطط جديدة لتوظيف المزيد من الأفراد لتلبية أهداف النمو أو الاستفادة من التطورات التقنية الحديثة.
ويمثل هذا التوجه نحو زيادة عدد الموظفين، ولو بشكلٍ متواضعٍ، انقلابًا على الرسائل المؤسسية السائدة خلال معظم حقبة الذكاء الاصطناعي؛ حيث أحجمت جهات العمل الكبرى عن إضافة موظفين جدد بسبب عدم اليقين الاقتصادي أو الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر على تحمل المزيد من المهام، إلا أن بعض المديرين التنفيذيين يؤكدون اليوم أن تكاليف وقيود الذكاء الاصطناعي باتت تتطلب إضافة المزيد من البشر، بينما يسعى آخرون إلى إعادة توظيف من تم تسريحهم في فترات سابقة.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة «Booz Allen Hamilton»، للمستثمرين حاجتها إلى تسريع وتيرة التوظيف لسد التأخر الحالي؛ وذلك بعد أن خفضت شركة المقاولات الحكومية آلاف الوظائف في العام الماضي إثر تقليص إدارة ترامب للعقود الفيدرالية ومطالبة الشركات بتبرير تكاليفها، مما أدى إلى انخفاض إجمالي القوى العاملة بنسبة 7.5% ليصل إلى نحو 30,900 موظف في 30 يونيو الماضي، قبل أن تشهد الشركة حاليًّا طلبًا صحيًّا على خدماتها، لاسيما في مجالات الأمن القومي التي تتطلب عمالًا حاصلين على تصاريح أمنية.
ويأتي هذا التحول بعد 18 شهرًا اقتنعت خلالها كبرى الشركات بأن تقليص العمالة من ذوي الياقات البيضاء يعني نموًا أسرع، وهو ما بدأ يتغير مع تراجع معدلات التسريح، وصولًا إلى تسجيل طلبات إعانة البطالة الأمريكية في أحدث أسبوعٍ لها أدنى مستوى في السجلات منذ عام 1969 وفقًا للبيانات الفيدرالية.
ويرجع جزء كبير من هذا التحول في التوظيف إلى إعادة معايرة أرباب العمل لقدرات الذكاء الاصطناعي الحقيقية؛ إذ إن العديد من الشركات التي توقفت عن توظيف المبتدئين ظنًّا منها أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيسدون الفجوة، أدركت لاحقًا ضرورة وجود البشر للعمل جنبًا إلى جنب مع التقنية، فامتلاك وكلاء برمجيين لا يلغي الحاجة إلى توظيف مهندسين، ومشددةً على أن آلاف العملاء لدى منصتها عادوا إلى وضع التوظيف لعددٍ من الأدوار، وتحديدًا الوظائف المبتدئة التي تشهد عطشًا كبيرًا في السوق بفضل امتلاك أصحابها لمهارات الذكاء الاصطناعي الأصلية، وتمتعهم بمرونة فكرية وابتكارية، فضلًا عن تكلفتهم المادية الميسورة مقارنة بغيرهم.
ولا يقتصر انتعاش التوظيف على الوظائف المكتبية؛ إذ أعلنت شركة صناعة الأدوات «Snap-on» اعتزامها إضافة موظفين لتوسيع أعمالها، في حين أوضحت شركة النقل «CSX» أن عدد موظفي خدمات القطارات والمحركات سيرتفع بشكل متواضع خلال الأشهر المقبلة لتلبية الطلب المتزايد، حتى مع استمرارها في الاعتماد على التكنولوجيا لتعويض التناقص الطبيعي للعمالة في أقسام أخرى، علمًا بأن إجمالي عمالتها لا يزال أقل مما كان عليه في العام الماضي.
ورغم هذا التحول، تتجنب معظم الشركات الإعلان عن موجات توظيف جماعية عشوائية، بل توضح تركيزها على استقطاب كفاءات محددة؛ إذ أكدت أنات أشكنازي المدير المالي لشركة Alphabet استمرار التوظيف في مجالات الاستثمار الرئيسية مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بينما تسعى شركة البرمجيات «ServiceNow» إلى توظيف المزيد من مسؤولي المبيعات الميدانيين لاستيعاب النمو في مجالات مثل الأمن السيبراني.
وبحسب «نيويورك تايمز» فإنَّ هذا التحوّل يثبت أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل أكثر اعتدالًا مما خافه البعض، خصوصًا وأن ظروف السوق تتجه لدعم الأعمال مع عودة بعض العملاء في مجالات التكنولوجيا والخدمات المالية إلى التوظيف مجددًا.
وفي المقابل، يحذر خبراء من استمرار حالة عدم اليقين؛ حيث يرى البعض جهل الغالبية على وجه الدقة ما إذا كانت الشركات تحتاج إلى عمالة أكثر أم أقل في ظل التطور المستمر لإمكانات الذكاء الاصطناعي، متوقعين استمرار الشركات في التعامل مع الموظفين كعناصر يمكن التخلص منها أو تحويلهم إلى متعاقدين وعمالة بدوام جزئي في هذه المرحلة الانتقالية.

