تشهد صناعة التكنولوجيا تحولًا لافتًا يتمثل في صعود حركة “الذكاء الاصطناعي المحلي”، حيث يتجه عدد متزايد من المطورين والمديرين التنفيذيين إلى تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها داخل منازلهم وأقبيتهم بدلًا من الاعتماد على مراكز البيانات الضخمة التابعة لشركات الحوسبة السحابية.
وبحسب مجلة “ذا إنفورميشن”؛ يأتي هذا التوجه مدفوعًا برغبة المطورين في خفض التكاليف، وتعزيز الخصوصية، وتجنب الانقطاعات المتكررة للخدمات السحابية، فضلًا عن المخاوف المتعلقة باحتمالية فرض الحكومات قيودًا مستقبلية على الوصول إلى هذه التقنيات.
واكتسبت هذه الحركة زخمًا إضافيًّا بفضل منصات الوكلاء المستقلين مثل منصة OpenClaw، التي تتيح تنفيذ مهام معقدة باستخدام التطبيقات والملفات المحلية للمستخدمين.
وفي قبو منزله العصري بحي هادئ في مدينة بيلفيو بولاية واشنطن، يجسد المسؤول التنفيذي السابق في شركة مايكروسوفت ومؤسس الشركات الناشئة غاري فليك، هذا التوجه الجديد؛ فإلى جانب جهاز المشي الرياضي Peloton وآلة التجديف وشاشة العرض الكبيرة، يبرز حاسوب مخصص قام فليك بتجميعه ليُشبه هيكلًا معدنيًّا ضخمًا تتدلى منه سبع وحدات معالجة رسومية GPUs من إنتاج شركة إنفيديا.
وقد صُمم هذا الحاسوب لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة على تيرابايتات من بيانات التخطيط الكهربائي للدماغ، وهو جزء من مشروع لشركة ناشئة انتقل فليك للعمل على غيره لاحقًا.
ورغم أنه كان بإمكانه استئجار خدمات الحوسبة السحابية من أمازون ويب سيرفسيز، أو مايكروسوفت، إلا أنه وجد أن تجميع جهازه الخاص بتكلفة تقل عن 6000 دولار لقطع الغيار يُعد خيارًا أوفر بكثير، حتى مع إضافة التكاليف التي تراوحت بين 10 آلاف و20 ألف دولار لتحديث شبكة الكهرباء وتركيب نظام تكييف جديد للسيطرة على الحرارة العالية المنبعثة من الأجهزة.
ويعلق فليك، الذي يخطط لاستخدام حاسوبه مجددًا في مشروع مقبل، قائلًا إنه يفضل الامتلاك على الاستئجار.
ولم يقتصر الأمر على المهندسين المستقلين، بل امتد إلى كبار المسؤولين التنفيذيين، حيث تحولت أجهزة الذكاء الاصطناعي المحلية إلى قطع ديكور عصرية في بعض المنازل.
ففي 18 سبتمبر 2026، أثار الرئيس التنفيذي لشركة “شوبيفاي” توبي لوتكي، تفاعلًا واسعًا بعد نشره صورة لثلاث رفوف عمودية من المعدات الحاسوبية المضاءة بمصابيح LED وردية داخل قبو زجاجي مخصص أصلًا لحفظ النبيذ في منزله بمدينة تورونتو الكندية.
واستغل لوتكي نظام التحكم في المناخ الخاص بالقبو لتبريد أجهزته، التي شملت حاسوبًا من شركة Dell مزودًا بوحدة معالجة رسومية فائقة من Nvidia، تروج لها الشركة المصنعة باعتبارها “الحاسوب المكتبي الخارق المطلق”.
وقد شكل هذا الإقبال المتزايد على تجهيز المنازل بأجهزة حاسوبية قوية مفاجأة سارة للشركات المصنعة؛ فقد سجلت شركة “آبل” مبيعات قياسية لأجهزة Mac mini وMac Studio، التي تحظى بشعبية كبيرة بين مطوري وكلاء الذكاء الاصطناعي.
وبالمثل، أعلنت شركة Dell عن نمو هائل في المبيعات بفضل مجتمع الذكاء الاصطناعي المنزلي، حيث يشير مارك هامونز، كبير المهندسين المتميزين في “ديل”، إلى أن السوق شهدت نموًا انفجاريًّا بعد ظهور منصة OpenClaw في وقت سابق من هذا العام.
وتاريخيًّا، ليس مفهوم بناء خوادم منزلية قويّة بجديد؛ ففي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قام الهواة ببناء خوادم لتخزين مكتباتهم المتنامية من ملفات MP3 والفيديو.
ولاحقًا، أدت طفرة تعدين العملات المشفرة إلى زيادة الطلب على وحدات المعالجة الرسومية المنزلية.
ويُعد هيتين شاه، الرئيس التنفيذي لشركة البرمجيات الناشئة Crazy Egg، أحد الأمثلة البارزة على هذا التحول؛ ففي عام 2020، اشترى شاه ثماني وحدات معالجة رسومية لتعدين عملة “إيثيريوم”؛ أما اليوم، فقد وسّع ترسانته الحاسوبية في منزله بمدينة ريدوود شورز في ولاية كاليفورنيا لتشمل 18 حاسوبًا، من بينها 14 جهاز Mac Mini وMac Studio، مُكرسة جميعها لتطوير برمجيات تحسين مواقع الويب.
ويؤكد شاه أن الحوسبة المحلية تمنحه تحكمًا أكبر، خاصة مع الأعطال المتكررة وبطء النماذج السحابية، رغم أن أجهزته ترفع درجة حرارة مكتبه إلى 85 درجة فهرنهايت، مما يضطره لارتداء ملابس صيفية خفيفة والتفكير جديًّا في تركيب نظام تكييف إضافي.
على صعيد آخر، برزت شريحة من المؤثرين وصناع المحتوى الذين يوثقون تجاربهم مع الذكاء الاصطناعي المحلي، من بين هؤلاء، يمتلك صانع محتوى على منصة YouTube يقيم في أوستن، ويُعرف باسم قناته Digital Spaceport، ما يصفه بـ”مركز بيانات منزلي” داخل مرآبه الخاص.
وتضم معداته خمس وحدات معالجة رسومية من شركة “إي إم دي”، إلى جانب أجهزة شبكات وتخزين متقدمة، ويستخدمها حاليًّا لتشغيل نموذج Qwen 3.8 27B الصيني مفتوح المصدر لتحليل وتحرير مقاطع الفيديو الخاصة به.
وفي بولندا، واجه صانع محتوى ومستشار تقني آخر يُدعى 0xSero تحديات بيئية مع أجهزته؛ فقد اضطر إلى نقل وحدات المعالجة الرسومية الأربع من طراز Nvidia 6000 من مكتبه إلى العلية، بعد أن تسببت حرارتها العالية والضوضاء الصادرة عنها في تجفيف هواء الغرفة وإصابته بالمرض العام الماضي.
ويوضح 0xSero أن نقطة التحول التي دفعته للانتقال من الحوسبة السحابية إلى المحلية كانت في أواخر عام 2024، عندما رفعت شركة Cursor المطورة لأدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي أسعارها.

