
حسّنت تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) دقة التحكيم في كرة القدم إلى مستويات قياسية، إلا أنها زادت من استياء المشجعين الذين أصبحوا أقل تسامحًا مع الأخطاء المرتبطة بالتكنولوجيا مقارنة بالأخطاء البشرية التقليدية، حسبما تشير “فاينانشال تايمز”.
وفي الدوري الإنجليزي الممتاز، أظهرت قائمة القرارات الخاطئة الأخيرة أن معظمها هامشي، ما يؤكد أن الأخطاء الفاضحة أصبحت نادرة للغاية، حتى مقارنة بالتعاقدات الكروية غير الناجحة؛ وبالتالي، من المستبعد أن تُقصي إنجلترا من كأس العالم هذا العام بسبب هدف غير قانوني تُسجل فيه الكرة باليد كما حدث في هدف”يد الله” لدييغو مارادونا عام 1986، وإن حدث الإقصاء فسيكون بأسلوب مؤلم آخر.
ورغم الدقة المتزايدة، استمر المشجعون في التعبير عن استيائهم من القرارات التي يعتبرونها متقلبة وغير منطقية؛ حيث تصاعدت الشكاوى في إنجلترا الأسبوع الماضي حين استغرق المسؤولون نحو 6 دقائق لإلغاء هدف لمصلحة مانشستر سيتي بشكل صحيح، ما دفع المعلق واللاعب السابق كريس ساتون للقول: “أعتقد أن المباراة انتهت”.
ويمثل VAR مثالًا على المخاطر المصاحبة للتقدم التكنولوجي؛ فالقرارات أصبحت أكثر صحة، لكن عملية اتخاذها ازدادت تعقيدًا؛ فالتكنولوجيا ليست محايدة، فهي لا تحسن أداء البشر فحسب، بل تغير طريقة عملنا وسلوكياتنا، سواء في الرسائل الفورية أو تتبع اللياقة البدنية، ما يجعل التقدم الحقيقي أحيانًا صعب المنال.
تكمن المشكلة الأساسية في أن VAR يضع الدقة على رأس الأولويات، متجاوزًا قيم السرعة والبساطة والعفوية التي أهملتها السلطات الكروية عند تطبيقه عام 2019، وفي الرياضة، يقل الاهتمام بالدقة إذا كان ذلك على حساب الانفعال، إذ أُلغي الموسم الماضي هدف من كل 25 هدفًا في الدوري الإنجليزي، مما حدّ من قدرة المشجعين على التفاعل اللحظي مع لحظة التسجيل.
وأظهرت استطلاعات عام 2024 أن ثلثي المشجعين اعتبروا أن الفيديو جعل مشاهدة كرة القدم أقل متعة، رغم الاعتراف بكفاءته في مهام محددة مثل اكتشاف المخالفات اليدوية.
ويشبه VAR تطبيقات المواعدة الإلكترونية، التي ركزت على حل مشكلة ندرة الشركاء وتجاهلت عوامل أخرى، ما غيّر سلوك المستخدمين نحو العلاقات قصيرة الأمد بدلًا من الالتزام المستمر.
كما غيّرت التقنية قواعد اللعبة، فقبل VAR كان بإمكان الحكام ملاحظة عدد محدود من الحالات، أما اليوم فيحلل كل قرار مهم بدقة، ما جعل كرة القدم أكثر قانونية وأقل تسامحًا مع العفوية، بحسب تحليلات التقنية ديزي كريستودولو.
كما أن توقف اللعبة لإعادة المشاهد يذكّر بالمشتتات اليومية مثل الرسائل النصية، أو التوتر الناتج عن الأجهزة الطبية التي تركز على تتبع اللياقة بدل تحسين الصحة.
وتبرز تجربة VAR أن المشجعين أصبحوا أقل تسامحًا مع الأخطاء التكنولوجية مقارنة بالبشرية، فالأعطال المتعلقة بالذكاء الاصطناعي أو السيارات ذاتية القيادة تثير غضبًا مضاعفًا؛ إذ أن التكنولوجيا تخلق توقعات بالكمال، وأي سوء استخدام يُنظر إليه كفشل أخلاقي تقريبًا.
وانضم المشجعون إلى حركة رفض التقنية، لكن بعض الحلول ممكنة عبر منح الحكام الميدانيين سلطة أكبر أو اعتماد نظام استئناف شبيه بالكريكيت، ما يضيف بعدًا تنافسيًا لعملية اتخاذ القرار؛ فتجارب VAR تذكر بأن الابتكار التكنولوجي يحمل تنازلات غير متوقعة، فالتقدم موجود، لكنه غالبًا لا يظهر بالشكل الذي تخيله المسؤولون أو طالب به الجمهور.




