×
خدمات المحتوى

كيف تهدد موجات الحر في أوروبا مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟

تكنولدج

- كاتب بتكنولدج
التاريخ 2 يوليو 2026

 

شهدت أوروبا في أوائل صيف عام 2026 موجة حر استثنائية حطمت الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، حيث يمثّل هذا الارتفاع المستمر في الحرارة المحيطة تهديدًا مباشرًا لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إذ يقلص بشدة من كفاءة أنظمة التبريد المعتمدة على الهواء، ويجبر المشغلين على استهلاك معدلات غير طبيعية من الطاقة والمياه لمنع انهيار الخوادم كثيفة الاستهلاك.

ووفقاً لدراسة شاملة أصدرتها مجموعة “World Weather Attribution”، فإن هذه الموجة كان من المستحيل تقريبًا أن تحدث قبل نصف قرن لولا التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية؛ فبالمقارنة مع موجة الحر التاريخية في عام 1976، جاءت الموجة الحالية أشد حرارة بمقدار 3.5 درجة مئوية نهارًا و2.4 درجة مئوية ليلًا.

ويتطلب التوسع السريع في تطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعي كثافة حوسبة هائلة، مما يفرض على القطاع الاعتماد على أنظمة التبريد السائل التي تعتبر أكثر كفاءة في نقل الحرارة بمقدار 50 إلى 1000 مرة مقارنة بالتبريد الهوائي.

ويستهلك مركز البيانات النموذجي بسعة 100 ميجاوات حوالي 2 مليون لتر من المياه يوميًا، أي ما يعادل الاستهلاك اليومي لـ6,500 منزل تقريبًا.

ورغم الشراهة المائية، أظهر تحليل لوكالة بلومبرج أن حوالي 66% من مراكز البيانات الجديدة التي تم بناؤها أو هي قيد التطوير منذ عام 2022 تقع في مناطق جغرافية تعاني بالفعل من مستويات عالية من الإجهاد المائي والجفاف.

وتتفاقم الأزمة البيئية بفعل نمط التشغيل المائي؛ حيث تقوم هذه المراكز بتبخير حوالي 80% من المياه المسحوبة عبر أبراج التبريد، وتعيد 20% فقط للشبكات كنفايات سائلة غالبًا ما تكون محملة بالحرارة والملوثات، وهو نمط يتناقض جذريًا مع الاستهلاك السكني الذي يبخر 10% ويعيد 90% لشبكات الصرف.

وعالميًا، يتوقع أن يقفز استهلاك مراكز البيانات من حوالي 560 مليار لتر سنويًا إلى 1,200 مليار لتر بحلول 2030.

ويخلق تزامن موجات الحر الشديدة مع تشغيل مراكز البيانات أزمة “طلب متزامن متطرف” تضغط على البنية التحتية؛ ففي أوقات الذروة، يرتفع السحب الكهربائي لتشغيل أنظمة التكييف السكنية والتجارية، في وقت تضطر فيه مراكز البيانات للعمل بأقصى قدراتها التبريدية، مما يسحب طاقة ضخمة من شبكات تعاني أسلاكها ومحولاتها بالأساس من تراجع في كفاءة النقل بسبب ارتفاع الحرارة المحيطة.

ومائيًا، تؤدي حرارة الجو المرتفعة إلى تسريع معدلات التبخر في أنظمة تبريد المراكز، مما يضاعف السحب من الخزانات في أوقات الجفاف وضعف الأمطار؛ لذا فإنَّ هذا السحب المزدوج والمتزامن يحول مراكز البيانات من دعامة للاقتصاد الرقمي إلى مهدد صريح لاستقرار الشبكات الوطنية.

ودفع عجز البنية التحتية الفيزيائية الحكومات الأوروبية إلى تبني سياسات تقييد صارمة لإدارة التوسع الحضري السريع لمراكز البيانات، وتُعد هولندا من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث فرضت حظرًا وطنيًا منذ عام 2022 على إنشاء المراكز التي تتجاوز مساحتها 10 هكتارات أو التي تستهلك طاقة تفوق 70 ميجاوات (باستثناء منطقتين محددتين)، فضلًا عن فرض تجميد كامل لبناء المراكز في العاصمة أمستردام يمتد حتى عام 2030 أو 2035.

تكنولدج

وتأتي هذه الإجراءات الصارمة كاستجابة لاختناق شديد تعاني منه الشبكة الكهربائية، حيث بلغ طابور الانتظار 212 طلبًا بسعة إجمالية تصل إلى 38 جيجاوات، مما أدى إلى ارتفاع أوقات انتظار توصيل الكهرباء لمشاريع الأعمال الجديدة لتصل إلى نحو 10 سنوات.

وفي سياق متصل، اتخذت أيرلندا تدابير مشابهة شملت تجميد بناء مراكز البيانات في العاصمة دبلن حتى عام 2028؛ وللحد من الضغط على بنيتها التحتية، ألزمت الحكومة المراكز الجديدة بضرورة إنشاء أنظمة توليد أو تخزين طاقة ميدانية توازي سعتها الاستيرادية، لضمان قدرتها على دعم الشبكة الوطنية عند الحاجة.

وتعزى هذه القيود إلى الاستهلاك الضخم للطاقة، إذ تستهلك مراكز البيانات حاليًا حوالي 21% من إجمالي كهرباء أيرلندا، وهي نسبة يُتوقع أن ترتفع لتبلغ 32% بحلول نهاية عام 2026.

وللحصول على التراخيص اللازمة، يُشترط على هذه المراكز تأمين 80% من احتياجاتها عبر مصادر طاقة متجددة، وذلك من خلال الالتزام بفترة انتقالية تدريجية مدتها 6 سنوات.

لمواجهة هذه الفوضى البيئية، تبنى الاتحاد الأوروبي إطارًا إلزاميًا بموجب توجيه كفاءة الطاقة المحدث، حيث يُلزم التوجيه كل مركز بيانات يتجاوز طلب تكنولوجيا المعلومات فيه 500 كيلووات بتقديم تقارير استدامة سنوية بحلول 15 مايو من كل عام، تتضمن مؤشرات كفاءة أساسية مثل: فعالية استخدام الطاقة، فعالية استخدام المياه، وإعادة استخدام الحرارة.

واستكمالًا لذلك، ستُصدر المفوضية الأوروبية في الربع الثاني من عام 2026 “حزمة كفاءة طاقة مراكز البيانات”، والتي ستقدم “مخطط تصنيف أوروبي مشترك” يمنح المراكز ملصقات إلكترونية أوتوماتيكية بناءً على بصمتها البيئية.

وقد أظهرت التقارير الفنية التمهيدية للمفوضية أن 1.9% فقط من حرارة مراكز البيانات تُعاد الاستفادة منها، مما دفع المشرعين لفرض متطلبات صارمة لاسترداد الحرارة للمراكز التي تفوق قدرتها 1 ميجاوات.

وعلى المستوى الوطني، تُرجمت هذه المتطلبات لقوانين إلزامية؛ حيث ألزمت فرنسا المراكز بتحقيق عامل ERF يبلغ 0.20 كحد أدنى لعدم حجب تصاريحها، بينما فرضت ألمانيا على المراكز الجديدة تحقيق معدل PUE يبلغ 1.2 أو أقل بحلول يوليو 2026.

وأخيرًا، أطلقت المفوضية “استراتيجية مرونة المياه الأوروبية” في منتصف 2025 بهدف دمج “معايير أداء دنيا ملزمة” لاستهلاك المياه ضمن مخطط التصنيف الجديد، مع توجيه الاستثمارات نحو تقنيات الدوائر المغلقة و”التبريد الجاف” لمعالجة معضلة الإجهاد المائي بشكل جذري.