تضطر نصف الشركات التي تقع ضحية لهجمات الفدية الرقمية تقريبًا إلى الدفع للقراصنة لاستعادة بياناتها أو تشغيل أنظمتها الحيوية، بناءً على أبحاث موثقة لعام 2025 صادرة عن مجموعة “سوفوس” للأمن السيبراني، تزامنًا مع الارتفاع المتواصل في متوسط المبالغ المالية المطلوبة، وفقًا لتقرير “فاينانشال تايمز”.
ودفع هذا الوضع الحرج بعض الحكومات عالميًا إلى التحرك الفعلي عبر فرض حظر شامل على دفع هذه الفديات؛ حيث تعتزم الحكومة البريطانية، مثلًا، تقديم خطط تحظر بموجبها على هيئات القطاع العام ومجموعات البنية التحتية الوطنية الحيوية -بما فيها هيئة الصحة الوطنية والمجالس المحلية والمدارس- تقديم أي مبالغ مالية للمخترقين.
ويأتي هذا الفيتو المحتمل نتيجة تحول شبكات المقرصنين بمرور الوقت إلى جهات أكثر تقدماً ودقةً في استهداف الشركات، وتحديدًا المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر للدفاعات القوية.
وفي عام 2026، تطور مشهد الجريمة الرقمية ليتحول إلى منظومة متكاملة تحاكي الأسلوب المؤسسي للشركات؛ فعصابات الفدية باتت تعمل كشركات ذكية تقدم خدمات تجارية متبادلة لضمان إعادة البيانات، بينما تظل المخاطر القانونية والعقوبات المفروضة على الجهات التي تدفع الفدية في أعلى مستوياتها تاريخيًا.
ودعم هذا الصعودَ الصادم انتشارُ أدوات الذكاء الاصطناعي التخريبية مثل “وورم جي بي تي” و”فرود جي بي تي” و”بروت فورس إيه آي”؛ حيث إن ضحايا برامج الفدية المؤكدين قفزوا عالميًا بنسبة هائلة بلغت 389% في عام 2025، ليرتفع العدد من نحو 1600 ضحية في عام 2024 إلى 7831 ضحية.
وبفضل أدوات الذكاء الاصطناعي فأصبح الوقت الذي كان يستغرقه المخترق سابقًا لشن هجوم واحد، بات كافيًا الآن لاستهداف أربع منظمات مختلفة في وقت واحد؛ إذ إنَّ تكلفة الهجوم انخفضت بفضل الذكاء الاصطناعي مما جعل العمليات المعقدة متاحةً لأفراد ذوي مهارات بسيطة، بينما ترتفع تكلفة الدفاع المستمر طرديًا.
انقسام حول الدفع لـ هجمات الفدية الرقمية
ورغم وضوح الأزمة، لا يزال قرار الدفع من عدمه يمثل أحد أكثر الملفات انقسامًا وخلافًا في مجتمع الأمن السيبراني؛ إذ يتخذ البعض موقفًا صارمًا ورافضًا للاستجابة للمبتزين مطلقًا، موضحًا أن الدفع يقوي المنظومة الإجرامية والجهات الداعمة لها، فضلًا عن أن المخترقين لا يمكن الوثوق بهم لمحو البيانات، كاشفًا أن عمليات إعادة الابتزاز المتكررة والاستمرار في بيع البيانات المسروقة تجاريًا أصبحت أمرًا شائعًا لا تمنعه الأموال.
وفي المقابل، تتبنى أطراف أخرى رؤيةً أكثر مرونةً؛ إذ يعرب البعض الآخر عن قلقه من التداعيات السلبية للحظر المطلق عندما تكون استعادة البيانات مستحيلةً تقنيًا، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية الحيوية مثل محطات المياه والكهرباء، خصوصًا وأنَّ عدم الدفع سيدفع المجرمين جوهريًا إلى تحويل استهدافهم بشراسة نحو القطاع الخاص غير المنظم، مما يرفع أقساط التأمين السيبراني إلى مستويات فلكية تتجاوز قيمة الفدية الأصلية.
ونتيجة لهذه المعطيات، ازدهر سوق الخدمات الاستشارية الداعمة للشركات المنكوبة، بما يشمل مفاوضي الفدية وفرق الاستجابة للحوادث؛ حيث يرى خبراء أن دراسة تفاصيل البيانات المسروقة وحساسيتها وهوية المجموعة المهاجمة يجب أن تقود قرار خيار الدفع كبديل أخير.
ومع ذلك، يقترح البعض تركيز الانتباه من فكرة حظر الدفع إلى كيفية جعل الجريمة الرقمية غير مربحة أساسًا عبر تفعيل استراتيجية “إدارة التعرض للمخاطر” وسد الثغرات والأنظمة المكشوفة التي تعتمد عليها أغلب الهجمات حاليًا.
ويتطلب ذلك بالضرورة، وفقاً لمتخصصين، رفع مستوى الوعي بالاتجاهات الناشئة وتطبيق قواعد النظافة التقنية الصارمة، مثل المراقبة المستمرة للأجهزة وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، بجانب ضرورة فرض رقابة صارمة على صلاحيات الوصول الداخلي لمنح الموظفين أذونات مؤقتة وفورية عند الحاجة فقط بهدف تقليص مساحة الانفجار وتطويق المهاجمين، بالتوازي مع دعوات للحكومات بتقديم دعم ابتكاري يشمل دعم البنية التحتية للنسخ الاحتياطي وتقديم حوافز ضريبية على الإنفاق السيبراني لتقليل الانكشاف الأمني عمومًا.

