لم يعد السؤال في سوق العقارات المصرية مقتصرًا على «بأي سعر يمكن شراء الوحدة؟»، وإنما بدأ يتغير إلى أسئلة أكثر ارتباطًا بالسيولة وإدارة الأصول وإمكانية الدخول والخروج من الاستثمار.
ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار العقارات بصورة جعلت شراء وحدة كاملة يحتاج إلى رأس مال كبير، ظهرت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من منصات التكنولوجيا العقارية «PropTech» التي تحاول إعادة صياغة العلاقة بين المستثمر والعقار، سواء عبر إتاحة الملكية الجزئية، أو تسهيل الاستثمار التشاركي، أو توفير أدوات رقمية لإدارة العقار، أو خلق قنوات جديدة لإعادة بيع الحصص والتنازل عن الوحدات.
وتبرز في هذا المشهد منصات مثل «فريدة» و«ناوي شيرز» ، فيما ظهر «عقار إكزت» من زاوية أخرى، مستهدفًا تنظيم سوق التنازل عن الوحدات العقارية بالتقسيط وربط الراغبين في التخارج بمشترين جدد.
المشترك بين هذه النماذج هو محاولة استخدام التكنولوجيا لمعالجة مشكلة قديمة في السوق العقارية: ارتفاع تكلفة الدخول، صعوبة إدارة الملكية، وعدم سهولة التخارج والسيولة.
الاستثمار العقاري.. من امتلاك الوحدة إلى امتلاك حصة
تقليديًا، كان الاستثمار العقاري يعني شراء وحدة كاملة، ثم انتظار ارتفاع قيمتها أو تحقيق عائد من تأجيرها.
لكن ارتفاع أسعار الوحدات، إلى جانب انتشار أنظمة السداد طويلة الأجل، جعل هذا النموذج أكثر احتياجًا إلى رأس مال كبير، وفتح الباب أمام نموذج الملكية الجزئية، الذي يقسم الأصل إلى حصص يملك كل مستثمر جزءًا منها.
وتقوم «فريدة» على هذا النموذج، إذ تتيح للمستثمر شراء حصة في عقار بدلًا من شراء الوحدة بالكامل، مع تولي المنصة إدارة العملية الاستثمارية والتشغيلية وفقًا لطبيعة كل أصل.
أما «ناوي شيرز»، فتقسم الوحدة إلى حصص متساوية، وتتيح للمستثمر اختيار عدد الحصص التي يرغب في شرائها، مع إدارة العملية رقميًا، بداية من اختيار الفرصة وحتى الدفع ومتابعة الاستثمار.
وبحسب البيانات المنشورة على المنصة، تتراوح عملية تقسيم العقار لديها بين 20 و100 حصة بحسب الفرصة، بينما تبدأ خطط الاستثمار المعلنة من 5 آلاف جنيه شهريًا.
وتقول «ناوي شيرز» إن اختيار العقارات يعتمد على تحليل مجموعة من البيانات، تشمل سعر المتر، وموقع الوحدة، والطلب على نوع العقار، وأداء المنطقة والمطور تاريخيًا.
وهنا تظهر التكنولوجيا ليس باعتبارها مجرد تطبيق لشراء الحصص، وإنما كجزء من عملية اختيار الأصل وتحليل البيانات وإدارة المستثمرين والتخارج.
«ناوي شيرز».. التكنولوجيا لتقنين الاستثمار الجماعي
تقدم «ناوي» نموذجًا أكثر اتساعًا للتحول الرقمي في العقارات، إذ تعمل المنصة منذ 2016 على دمج التكنولوجيا مع خدمات بيع وشراء وتأجير واستثمار وتمويل العقارات.
وتقول الشركة إنها خدمت أكثر من 100 ألف أسرة، وتقدم خدماتها اعتمادًا على البيانات والتحليلات الرقمية.
وفي سبتمبر 2026، قالت الشركة إن «ناوي شيرز» تخطط للتوسع في الاستثمار العقاري الجزئي، بالتوازي مع توسعها الإقليمي، بينما أوضح عبد العظيم عثمان، الشريك المؤسس لـ«ناوي»، أن التكنولوجيا ساعدت على تحويل المشاركة التقليدية بين الأصدقاء والأقارب في شراء العقارات إلى نموذج يمكن أن يضم عددًا أكبر من المستثمرين.
وتكشف الأرقام المعلنة حديثًا عن اتساع حجم النشاط؛ إذ نقلت تقارير في سبتمبر 2026 عن الشركة أن منصة «ناوي شيرز» تدير أصولًا تقارب 10 مليارات جنيه ولديها أكثر من 7 آلاف مستثمر نشط، مع إطلاق عشرات الفرص الاستثمارية التي تشهد إقبالًا سريعًا.
كما دخل نموذج «ناوي شيرز» مرحلة جديدة مع توجهها للعمل من خلال هيكل صناديق استثمار عقاري يخضع لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية بالتعاون مع CI Capital، في خطوة تستهدف نقل نموذج الاستثمار الجزئي إلى إطار أكثر ارتباطًا بالقطاع المالي المنظم.
منصة “سيف”.. المطور العقاري يدخل عالم الملكية الجزئية
أطلقت شركة مدينة مصر منصة SAFE عبر ذراع الابتكار التابعة لها، لتقديم نموذج للملكية العقارية الجزئية، يتيح للمستثمر شراء حصة من العقار بدلًا من شراء الأصل بالكامل.
وتقسم SAFE العقار إلى حصص، مع إمكانية شراء الحصص عبر التطبيق، وإدارة الاستثمار ومتابعته رقميًا، إلى جانب خدمات الإدارة والتأجير والصيانة.
وتختلف SAFE عن بعض النماذج الأخرى في تركيزها على الأصول المدرة للدخل، حيث تستهدف إتاحة عائد إيجاري للمستثمرين إلى جانب الاستفادة المحتملة من ارتفاع قيمة الأصل.
ويكشف دخول مطور عقاري كبير إلى نموذج الملكية الجزئية عن اتجاه يتجاوز فكرة «الشركة الناشئة التي تحاول رقمنة العقارات» إلى اتجاه أوسع تسعى فيه شركات التطوير نفسها إلى ابتكار منتجات استثمارية جديدة.
فريدة وناوي شيرز.. الخطوة التالية هي السوق الثانوية
وفي سبتمبر 2026، كشفت تقارير عن اتجاه «فريدة» و«ناوي شيرز» إلى إطلاق أسواق ثانوية تتيح إعادة بيع الحصص العقارية قبل التسليم، بما يضيف عنصر السيولة إلى نموذج الاستثمار الجزئي.
وتستهدف «فريدة» إطلاق سوق ثانوي إلكتروني لتداول الحصص، بينما تعمل «ناوي شيرز» على نموذج مماثل ضمن ترتيباتها التنظيمية.
وهذه الخطوة تحمل دلالة أكبر من مجرد إضافة خاصية جديدة إلى التطبيق؛ فهي تعني أن سوق الملكية العقارية الجزئية يحاول بناء دورة استثمار كاملة:
«عقار إكزت».. التكنولوجيا من زاوية مختلفة
في الطرف الآخر من المعادلة، ظهرت «عقار إكزت» بنموذج مختلف، لكنه يكمل الصورة. فالمنصة لا تركز على بيع حصة في عقار جديد، وإنما تعمل على تنظيم سوق التنازل عن الوحدات العقارية بالتقسيط، من خلال الربط بين العملاء الراغبين في التخارج من تعاقداتهم وبين مشترين جدد يمكنهم استكمال الأقساط.
وأطلقت المنصة أعمالها في أغسطس 2026، وقالت إنها استقبلت خلال أول 15 يومًا أكثر من 4800 وحدة يرغب أصحابها في التخارج منها، بقيمة إجمالية تجاوزت 60 مليار جنيه.
وفي تقريرها الأول عن السوق، أعلنت المنصة لاحقًا عن 5045 وحدة معروضة للتنازل بقيمة سوقية تقديرية بلغت 72.2 مليار جنيه، مع التأكيد على أن هذه البيانات تمثل عينة من نشاط المنصة ولا تمثل إجمالي السوق المصرية.
وهنا تظهر أهمية «عقار إكزت» في النقاش الدائر حول السوق العقارية من زاوية مختلفة: إذا كانت السوق تحتاج إلى مزيد من السيولة، فإن تنظيم سوق إعادة البيع والتنازل قد يكون جزءًا من الحل.
كما أن المنصة تقدم نفسها كأداة تساعد بعض المتعاقدين الذين يواجهون صعوبة في استكمال الأقساط على دراسة بديل التخارج بدلًا من اللجوء مباشرة إلى إلغاء التعاقد.
وبالتالي، لا ينبغي وضع «عقار إكزت» في الفئة نفسها مع «فريدة» و«ناوي شيرز»، لكنها تمثل حلقة أخرى في منظومة الـPropTech الجديدة: إدارة دورة حياة الاستثمار العقاري بعد الشراء.
الفقاعة العقارية.. التكنولوجيا تكشف جانبًا آخر من السوق
ظهور هذه المنصات يتزامن مع نقاش متزايد في مصر حول أسعار العقارات وما إذا كانت بعض شرائح السوق قد وصلت إلى مستويات لا تتناسب مع القدرة الشرائية أو العائد الاقتصادي للأصل.
لكن الحديث عن «فقاعة عقارية» يحتاج إلى قدر من الدقة. فالسوق المصرية ليست سوقًا واحدة؛ هناك اختلافات كبيرة بين العقارات السكنية والتجارية والإدارية والفندقية، وبين المدن الجديدة والساحل والقاهرة والمناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة، كما تختلف العلاقة بين السعر والإيجار ومعدلات الطلب من مشروع إلى آخر.
ولهذا، فإن ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي لإثبات وجود فقاعة. لكن في المقابل، فإن زيادة صعوبة البيع أو ارتفاع معدلات التعثر أو اتساع الفجوة بين أسعار إعادة البيع والأسعار الأصلية، كلها مؤشرات تستحق المتابعة عند تقييم صحة السوق.
وهنا يمكن أن تلعب التكنولوجيا دورًا مهمًا، لأنها قادرة على إنتاج كميات أكبر من البيانات حول سلوك المشترين والبائعين، والأسعار المطلوبة، وسرعة التخارج، وحجم الطلب على الوحدات، ومعدلات التعثر.
وهذا النوع من البيانات يمكن أن يضيف طبقة جديدة إلى النقاش حول السوق العقارية، بدلًا من الاعتماد فقط على أسعار المطورين أو الانطباعات العامة عن حركة البيع.
السوق العقارية تتحول إلى «منظومة» وليس مجرد وحدات
ما يجري حاليًا في السوق المصرية يمكن قراءته باعتباره انتقالًا تدريجيًا من سوق تركز على «بيع الوحدات» إلى منظومة أكثر تعقيدًا تتعامل مع العقار باعتباره أصلًا يمكن تقسيمه وإدارته وتمويله وإعادة بيعه.
في هذه المنظومة، تمثل «فريدة» و«ناوي شيرز» نماذج للاستثمار الجزئي، وتمثل SAFE نموذجًا لدمج الملكية الجزئية مع نشاط مطور عقاري كبير.
وفي المقابل، تعمل «عقار إكزت» على جانب مختلف من دورة حياة العقار، وهو سوق التنازل والتخارج من العقود القائمة.
ورغم اختلاف نماذج الأعمال، فإن التكنولوجيا تجمع بينها في نقطة أساسية: تحويل عمليات كانت تتم بصورة فردية وغير منظمة نسبيًا إلى عمليات رقمية يمكن قياسها وإدارتها وتوسيع نطاقها.
ومن هنا قد يكون التأثير الأهم لهذه الشركات في السنوات المقبلة ليس فقط في عدد العقارات التي تبيعها أو الحصص التي تطرحها، وإنما في قدرتها على خلق طبقة جديدة من البنية التحتية الرقمية للسوق العقارية المصرية.
فكلما أصبحت الملكية أكثر قابلية للتجزئة، والتقييم أكثر اعتمادًا على البيانات، والتخارج أكثر سهولة، والتعاملات أكثر رقمية، يمكن أن تتغير طبيعة العلاقة بين المواطن والعقار.
وبذلك لا تصبح التكنولوجيا مجرد وسيلة لبيع العقار، وإنما تتحول إلى جزء من السوق نفسها؛ من لحظة اكتشاف الفرصة، مرورًا بالاستثمار والملكية والإدارة، وصولًا إلى إعادة البيع والتخارج.
وفي سوق يواجه في الوقت نفسه ارتفاع الأسعار، وطول آجال السداد، والحاجة إلى تنشيط الطلب، والجدل حول مدى استدامة بعض الارتفاعات السعرية، فإن صعود هذه المنصات يقدم زاوية جديدة للنظر إلى مستقبل القطاع: ليس فقط كم عدد الوحدات التي يمكن بيعها، ولكن كيف يمكن توسيع قاعدة المستثمرين، وزيادة السيولة، وتحسين تدفق المعلومات، وبناء سوق عقارية أكثر رقمية.

