شهدت مؤشرات الأسهم الأمريكية في “وول ستريت” موجة بيع عشوائية وكارثية، أسفرت عن تبخر 3.2 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم في يوم واحد من التداولات الفوضوية.
وجاء هذا الانهيار الحاد مدفوعًا بالفوز الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي، وهو ما أدى إلى قلب رهانات الأسواق الضخمة على قطاع الذكاء الاصطناعي رأسًا على عقب.
وفي لغة الأرقام، سجل مؤشر “إس آند بي 1500” المجمع -الذي يعكس شريحة واسعة من الشركات الأمريكية- أكبر انخفاض له منذ مطلع الألفية وفقًا لحسابات “فاينانشال تايمز” المستندة إلى بيانات “فاكت سيت”.
وانهار مؤشر “ناسداك 100” المثقل بأسهم التكنولوجيا بنسبة 6.4%، بينما فقد مؤشر “إس آند بي 500” للشركات الكبرى 4.4% من قيمته، في أسوأ جلسة له منذ تقلبات العام الماضي، متزامنًا مع قفزة تجاوزت 55% في “مؤشر VIX” المعروف بمؤشر الخوف.
ولم يتأخر انتقال العدوى إلى الأسواق الآسيوية، حيث تسارعت وتيرة الانهيار ليلًا لتكبد مؤشر “نيكي” الياباني خسائر فادحة. وأغلق المؤشر متراجعًا بنسبة 6.0% عند مستوى 57434.77 نقطة، مسجلًا أكبر انخفاض مئوي له منذ أبريل 2025، وأدنى مستوى له منذ 13 أبريل الماضي.
وجاء هذا الهبوط بضغط مباشر من أسهم الشركات المرتبطة بالرقائق؛ إذ هوى سهم “كيوكسيا هولدنجز” بنسبة 8.7%، وفقد سهم “سوفت بنك” 11% من قيمته.
ودفع هذا الذعر المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ حيث انخفض العائد على سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات بواقع 12 نقطة أساس ليصل إلى 2.635%، في حين سجل الدولار 158.13 ين مقارنةً بـ 157.70 ين مساء الخميس بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
وبحلول الصباح في أوروبا، افتتحت المؤشرات القارية على تراجعات حادة شملت كافة القطاعات.
وانخفض مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 1.4%، بينما تراجع مؤشر “فوتسي 100” في لندن بنسبة 1.5% متأثرًا بهبوط أسهم التعدين والرعاية الصحية، وفي مقدمتها سهم “أسترازينيكا” الذي فقد 2.6%.
وفي ألمانيا، تراجع مؤشر “داكس” بنسبة 1.4% مع انخفاض جميع أسهمه باستثناء سهم واحد، حيث خسر سهم “أديداس” 2.6% وتراجع سهم “باير” بنسبة 2.4% وسط ضعف في قطاع السيارات.
أمّا في باريس، فهبط مؤشر “كاك 40” بنسبة 1.25% بضغط من خسائر قطاع السلع الفاخرة، حيث تراجع سهم “لوي فيتون” بنسبة 1.6%، ليبقى سهم “يورونكست” الوحيد المرتفع في المؤشر.
وامتدت الخسائر لتطول مؤشر “فوتسي ميب” الإيطالي الذي فقد 1.1%، ومؤشر “إيبيكس 35” الإسباني المتراجع بنسبة 0.8%، ومؤشر “إيه إي إكس” الهولندي المنخفض بنسبة 1.2%، في حين سجلت أسهم أشباه الموصلات الأوروبية تراجعات أقل حدة مقارنةً بالجلسات السابقة.
وقد تركزت الضربة القاصمة في قطاع أشباه الموصلات والشركات المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي؛ إذ هوى سهم شركة “إنفيديا” بنسبة 9.3%، لتفقد وحدها أكثر من 400 مليار دولار من قيمتها السوقية.
ولم تقتصر الخسائر عليها، بل شملت انهيارات عنيفة في أسهم الذاكرة والرقائق التي كانت الأفضل أداءً هذا العام، حيث تهاوى سهم “سانديسك” بنسبة 22%، و”مايكرون” بنسبة 17%، و”ويسترن ديجيتال” بنسبة 17%، فضلًا عن هبوط “برودكوم” بنسبة 10%، و”كوالكوم” بنسبة 9.5%.
وامتدت الخسائر لتطول شركات الملياردير إيلون ماسك، التي تتخذ من ولاية تكساس مقرًا لها؛ إذ تراجع سهم “تسلا” بنسبة 10.8% ليضاف إلى تراجع سابق بنسبة 3.3%، وهبط سهم “سبيس إكس” بنسبة 9.1% بعد انخفاض بنسبة 3.8% في اليوم السابق، وذلك بالتزامن مع فوز الديمقراطيين بمنصب حاكم تكساس وبأول مقعد لهم في مجلس الشيوخ عن الولاية منذ أكثر من 30 عامًا.
ولم ينجُ القطاع غير التقني من المذبحة، حيث تراجع سهم “كاتربيلر” للمعدات الثقيلة بنسبة 6.4%، وانخفض سهم “وول مارت” للتجزئة بنسبة 1.1%.
ويعزو الخبراء هذا الخروج الجماعي للمستثمرين إلى مخاوف حقيقية من أن “الموجة الزرقاء” وتولي سياسيين مناهضين لمراكز البيانات مناصبهم الجديدة، سيؤديان إلى كبح جماح تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وصرح آدم كريسافولي، رئيس مجموعة “فيتال نوليدج” لأبحاث السوق، بأن المستثمرين يستسلمون ويصَفّون مراكزهم بشكل عشوائي، بينما أشار تشارلز هنري مونشاو، رئيس الاستثمار في بنك “سيز جروب” السويسري، إلى أن المستثمرين يخشون أن تكون ذروة الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي قد ولت.
وأوضح مديرو صناديق تحوط أن الحركة السريعة نتجت عن تخارج كبار المستثمرين من مراكزهم الضخمة بسرعة، وسط إحجام صائدي الصفقات الرخيصة عن الشراء وتفضيلهم اللجوء إلى “الكاش”.
ووصف فينسينت مورتييه، رئيس الاستثمار في “أمندي”، مكاسب الأسهم الأمريكية في اليوم التالي للانتخابات بأنها “شهر عسل قصير الأمد”، مؤكدًا أن إعادة تسعير التكنولوجيا جاءت قاسية وسريعة بمجرد وضع مخاوف مراكز البيانات والتنظيمات الجديدة تحت مجهر المشهد السياسي الجديد، وهو ما اعتبره مدير محافظ استثمارية يمتلك حصصًا في “أنثروبيك” يومًا سيئًا لأمريكا سيكون له تداعيات هائلة على أسعار الرقائق وسوق الاكتتابات.
وتجسدت هذه المخاوف السياسية في تصريحات السياسيين الفائزين؛ حيث طالب عبدول السيد، السيناتور الديمقراطي المنتخب عن ولاية ميشيجان، بوقف شامل لتطوير التقنيات المتقدمة، معللًا ذلك بأن وتيرة التطور التكنولوجي تفوقت على وتيرة الأمان.
وفي السياق ذاته، اقترحت آني أندروز، السيناتور القادمة عن ولاية كارولينا الجنوبية، حظرًا لمدة عامين على بناء مراكز بيانات جديدة لمنع “الشركات القوية وفائقة الثراء” من سحق المجتمعات المحلية.
وينسجم هذا التوجه مع إقرار الناخبين لـ38 تشريعًا محليًا يقيد تطوير هذه المراكز، لتضاف إلى 33 منطقة أخرى كانت قد اتخذت خطوات مماثلة مسبقًا، مما يهدد نحو 45% من الطاقة الاستيعابية المخطط لها.
وفي مواجهة هذا الاحتقان المزدوج من الأسواق والسياسيين، أقر قادة صناعة التكنولوجيا خلال قمة “مستقبل الذكاء الاصطناعي” التي نظمتها صحيفة “فاينانشال تايمز” بمسؤوليتهم عن تأجيج هذا الغضب.
وأوضح فيك باجاج، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة “بروميثيوس”، أن الصناعة روجت بتهور لخطاب يهدد مستقبل الوظائف ويصور الذكاء الاصطناعي كأزمة وجودية، مما حول مراكز البيانات إلى رمز سياسي مشابه للجدل حول الكمامات إبان جائحة كورونا.
وأيده جون هانكي، مؤسس “نيانتيك سباتشيال”، معتبرًا الانتخابات بمنزلة جرس إنذار للتوقف عن الاندفاع العشوائي في البناء، في حين أكدت فيريتي هاردينج من جامعة كامبريدج أن مراكز البيانات أصبحت الهدف المادي الوحيد الذي يمكن للجمهور التصويت ضده.
وكمحاولة أخيرة لاحتواء الأزمة، سعت مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى تحسين صورتها المجتمعية، وأعلنت “أوبن إيه آي” و”أمازون” و”مايكروسوفت” تخليها عن اتفاقيات عدم الإفشاء المثيرة للجدل مع الحكومات، في حين وقّعت أكثر من 200 شركة على “تعهد حماية دافعي الفواتير” غير الملزم الذي طرحه دونالد ترامب سابقًا، لضمان عدم تحميل المستهلكين تكاليف الكهرباء الضخمة.
وأكد جيف جوستافسون من شركة “شيفرون”، وآدم إيتون من “فيرتوس داتا سنترز”، على ضرورة تخلي الصناعة عن سريتها التاريخية وإشراك المجتمعات المحلية بفعالية لضمان استفادتهم من هذه الاستثمارات؛ لتجنب معارضة قد تعصف بأضخم عملية بناء للبنية التحتية في التاريخ التقني.

