تواصلت الاحتجاجات المناهضة لتوسع مراكز البيانات في مختلف أنحاء أوروبا، حيث خرج آلاف المواطنين إلى الشوارع للتعبير عن مخاوفهم العميقة إزاء التداعيات البيئية والمجتمعية لهذا التمدد.
وشهدت العاصمة الأيرلندية دبلن خروج نحو 2000 متظاهر، بينما احتشد قرابة 1300 شخص في العاصمة الفنلندية هلسنكي، تزامنًا مع تنظيم مسيرات مشابهة في مدن فنلندية أصغر.
وجاءت هذه التحركات في أعقاب تظاهرات عنيفة شهدتها العاصمة الهولندية أمستردام، والتي أسفرت عن اشتباكات بين مئات المحتجين وقوات الشرطة أمام أحد مراكز بيانات شركة “مايكروسوفت” ما أدى إلى اعتقال شخص واحد على الأقل.
وقاد هذه التحركات تحالف يضم مجموعات ديمقراطية وبيئية تحت اسم “أوقفوا مراكز البيانات القذرة”، بمشاركة نشطاء من إسكتلندا، وإسبانيا، وفرنسا، والدنمارك.
وطالب المحتجون بفرض حظر مؤقت على عمليات البناء حتى يتم اتخاذ قرارات ديمقراطية تضمن توظيف الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات لخدمة البشرية والبيئة، بدلًا من الخضوع لجشع الشركات الخاصة، محذرين من ارتهان الديمقراطيات لمصالح شركات التكنولوجيا الكبرى في ظل توسعها غير الخاضع للرقابة الكافية.
وتأتي هذه التطورات وسط تسارع عالمي غير مسبوق في بناء مراكز البيانات، حيث تضخ شركات التكنولوجيا مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية اللازمة لتشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وأثار هذا التوسع السريع قلق المجتمعات المحلية بشأن استنزاف الأراضي، وارتفاع الطلب على الكهرباء، وزيادة تكاليف الطاقة، وسط شكوك حول الجدوى الاقتصادية العائدة على السكان.
وفي أيرلندا، التي تحولت إلى أحد أكبر المراكز الأوروبية في هذا المجال بفضل استثمارات ضخمة من عمالقة التقنية مثل “مايكروسوفت” و”أمازون” و”جوجل”، أظهرت الإحصاءات الرسمية أن مراكز البيانات استحوذت على 23% من إجمالي استهلاك الكهرباء في البلاد خلال عام 2025.
وفي فنلندا، اتجهت المسيرات نحو مكاتب “جوجل” والبرلمان في وسط هلسنكي، تعبيرًا عن الاستياء المتزايد.
وكانت “جوجل” قد أعلنت في شهر سبتمبر الماضي عن استثمار أوروبي غير مسبوق بقيمة 13 مليار يورو (14.5 مليار دولار) لتوسيع مركز بيانات قائم وبناء مركزين جديدين في فنلندا، ضمن مشاريع مزارع خوادم قيد التخطيط والبناء في البلاد تقدر قيمتها بنحو 80 مليار يورو.
وتفاقم الغضب الشعبي الفنلندي بعد الكشف عن قيام ممثلي “جوجل” بتجريف مساحات من الغابات وإزالة التربة السطحية وبناء طرق في أحد المواقع قبل استكمال تقييم الأثر البيئي، ما دفع السلطات إلى فتح تحقيق جنائي ضد الشركة المنفذة، تزامنًا مع توجه الحكومة لسن تشريعات جديدة لضبط هذا التوسع الاستثماري.
ولا يقتصر هذا الرفض الشعبي على القارة الأوروبية، بل يعكس صدى غضب متصاعد في الولايات المتحدة، حيث تحول الانتشار السريع لمراكز البيانات إلى قضية محورية في الانتخابات النصفية الأخيرة.
وقد دفع هذا الزخم الناخبين في عدة ولايات أمريكية إلى اختيار مسؤولين محليين تعهدوا صراحةً بوقف أو تجميد عمليات البناء الجديدة، ما يؤكد تنامي الوعي العالمي بخطورة التأثيرات البيئية والمجتمعية للبنية التحتية الداعمة لثورة الذكاء الاصطناعي.

