تعرضت منصة “بينانس”، أكبر منصة لتدوال العملات المشفرة في العالم وتضم 335 مليون مستخدم وتدير أصولًا تبلغ 162.8 مليار دولار، لأضخم عملية اختراق في تاريخ القطاع المالي بقيمة 6.3 مليار دولار استهدفت محفظتها الساخنة الموصولة بالإنترنت، مما أدى إلى تراجع مؤقت في أسعار العملات الرقمية.
وهبط بيتكوين إلى 76,368 دولارًا والإيثريوم إلى 2,178 دولارًا وهوت عملة “BNB” بنسبة 6.4% لتسجل 696 دولارًا، إلى جانب انخفاض أسهم شركات التشفير المدرجة مثل “كوينبيس” و”مايكروستراتيجي” و”روبن هود”.
وفي استجابة عاجلة لاحتواء الصدمة، تعهدت إدارة المنصة عبر كبار قيادييها بالتعويض الكامل لكافة المستخدمين المتأثرين من واقع تخصيص 6.34 مليارات دولار من أموال الشركة الخاصة، مدعومة بصندوق احتياطي بقيمة مليار دولار من البيتكوين وأصول إضافية للمؤسس تشانغ بينغ تشاو تشمل أسهمًا في “سبيس إكس” تتجاوز مليار دولار، مع إعلان استهداف إعادة خدمات السحب خلال 34 ساعة ونشر نتائج تدقيق إثبات الاحتياطيات، بالتوازي مع النجاح في تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأموال المتأثرة بالتعاون مع شركات القطاع.
وعلى صعيد الآلية الفنية للهجوم، كشفت التحليلات الأمنية لشركات البلوكشين مثل “تشين أناليسز” و”تي آر إم لابس” و”إليبتيك” أن الاختراق تم عبر هجوم سيبراني معقد نفذته وحدة “تريدر تريتر” التابعة لكوريا الشمالية، حيث بدأ بختراق جهاز محمول لأحد مهندسي المنصة واستخدام برمجيات خبيثة ذاتية المحو لإخفاء الأدلة، مما مكن القراصنة من التلاعب بنظام موافقة المعاملات وتفريغ المحفظة الساخنة دون المرور بضوابط التدقيق الاعتيادية في عملية استغرقت 20 دقيقة فقط.
وعمد المهاجمون إلى استخدام تقنيات أتمتة خوارزمية والذكاء الاصطناعي لتنفيذ آلاف المعاملات في أوقات قياسية وتوزيع الأموال على أنماط غسيل غير مسبوقة ودمجها مع أموال مسروقة من اختراق سابق لمنصة “بيتجيت”، مما أتاح لهم تحويل 2.4 مليار دولار فورًا بعيدًا عن يد شركات الإصدار، متجاوزين بذاك أرقام اختراق منصة “بايبيت” في فبراير 2025 البالغة 1.5 مليار دولار.
وأكد خبراء أمنيون، مثل بروفيسور الاقتصاد بجامعة كورنيل إيسوار براساد وتوم روبنسون من شركة “إليبتيك”، أن دمج أدوات الذكاء الاصطناعي بات يضاعف قدرات المهاجمين على اكتشاف الثغرات وتوسيع نطاق العمليات الاستهدافية لقطاع التشفير الذي تعاني منصاته المركزية تاريخيًا من هشاشة الحماية مقارنة بالمؤسسات المصرفية التقليدية.
وعلى المستوى السياسي والرقابي، فتحت حادثة الاختراق باب التساؤلات حول التداعيات الجيوسياسية والتنظيمية؛ إذ أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متابعة إدارته للتحقيقات للوقوف على مدى تورط كوريا الشمالية التي تستغل سرقات التشفير لتمويل برنامجها النووي والالتفاف على العقوبات الدولية، مشيرًا إلى خطورة التعاملات الرقمية وتجريدها من الأساليب المادية التقليدية مع إبدائه الارتياح لتأكيدات بينانس بسيادتها على الوضع، وذلك في وقت يرتبط فيه مؤسس المنصة بعفو رئاسي سابق وعلاقات تجارية مع مشروع “ورلد ليبرتي فاينانشال” التابع لعائلة ترامب.
وفي الوقت نفسه، انخرطت جهات إنفاذ القانون الفيدرالية كـ “إف بي آي” والخدمة السرية الأمريكية في تحقيقات على مدار الساعة بالتعاون مع شركات إصدار العملات المستقرة مثل “تيثر” التي جمدت 1.57 مليار دولار و”سيركل” التي جمدت أكثر من 800 مليون دولار، فضلاً عن متابعة سلطة تنظيم الخدمات المالية في أبوظبي بصفتها المانح الرئيسي لترخيص تشغيل المنصة.
وفيما يتصل بالتداعيات المستقبلية على بيئة الاستثمار، يرى محللون أن الهجوم سيلقي بظلاله على شهية المخاطرة ويعيد تقييم أمان الأصول المودعة في المنصات المركزية، لاسيما مع ضغوط أسعار الفائدة وتراجع إقبال صناديق المؤشرات المتداولة.
إلا أن رد فعل الأوساط المالية ومجتمعات المستثمرين جاء متوازنًا وأقرب إلى التعامل مع الحادثة كحدث فردي عابر مقارنة بالموجات الانهيارية التي أعقبت سقوط منصة “FTX” عام 2022.
وأكّد مستثمرون بارزون مثل مايكل سايلور ومات هوجان من “بيتوايز” أن تعويض المنصة للعملاء واستنادها إلى احتياطيات مالية ضخمة سيمنع تفاقم أزمة السيولة، وسيدفع قطاع العملات المشفرة بأكمله نحو استخلاص الدروس وتحديث البروتوكولات الأمنية لبناء منظومة أشد صلابة أمام الاختراقات المستقبلية.

