تشير عشرات التقارير الحديثة حول التعرض المهني للذكاء الاصطناعي إلى سردية مألوفة مفادها أن هذه التقنية ستدمر أعدادًا هائلة من الوظائف في اقتصاد المعرفة بناءً على “المهام” التي تجيد أداءها، إلا أن التاريخ يعلمنا أن تأثير التقنيات الجديدة على التوظيف -سواء بالانخفاض أو الاستقرار أو حتى الارتفاع- يعتمد على مصفوفة معقدة من العوامل، وفقًا لتقرير على “فاينانشال تايمز”.
وتشير الصحيفة إلى أنَّ السؤال الذي يمكن إبرازه حاليًا –مع استعراض موجة الإنترنت والبرمجيات في العقود الأخيرة- هو ما إذا كان هناك “طلب مكبوت” على منتج أو خدمة معينة بحيث يؤدي انخفاض تكلفتها ووفرتها إلى زيادة الاستهلاك بمعدل أسرع.
واستشهدت بالزيادات الهائلة في إنتاجية البرمجيات منذ التسعينيات التي ترافقت ارتفاع في عمالة تطوير الويب وليس انخفاضها، لأن انفجار الطلب على البرمجيات فاق بكثير تراجع العمالة المطلوبة لإنتاج كمية معينة من الكود البرمجي.
وينطبق هذا السيناريو بدرجة أقل على معظم الخدمات المهنية؛ حيث جعلت البرمجيات المحاسبين والمهندسين المعماريين ومبدعي الإعلانات أكثر إنتاجية، ولكن الارتفاع الأكبر في الشهية لخدماتهم أدى إلى زيادة التوظيف بدلًا من تقليصه، ما يعني أن ارتفاع طلب المستهلكين عوض زيادة الإنتاجية.
وفي المقابل، يختلف الوضع في قطاع التصنيع الذي يفتقر إلى هذا الطلب، حيث تميل زيادة الإنتاجية إلى ترجمة نفسها في صورة وظائف أقل، مع مراعاة دور المنافسة التجارية العالمية.
وتظهر قطاعات الرعاية الصحية عالية التقنية نمطًا مشابهًا؛ إذ تنتج الابتكارات -بما في ذلك الذكاء الاصطناعي حاليًا- مكاسب هائلة في كفاءة الاختبارات المعملية والتصوير التشخيصي، بينما يستمر التوظيف في هذه التخصصات في الارتفاع تلبيةً لحاجة السكان لرعاية أفضل.
ويبرز هنا عامل “التنظيمات والتأمين” الذي يحمي تخصصات مثل الأشعة من فقدان الوظائف، حيث لا يزال التشخيص المؤتمت بالكامل محظورًا قانونًا حتى وإن تفوق الذكاء الاصطناعي على البشر، وهو نموذج قد ينسحب على مهنة المحاماة أيضًا.
ومن الناحية الأخرى، يمكن ملاحظة الآثار الثانوية للتكنولوجيا التي أدت لنتائج متناقضة؛ فذات الطفرة الرقمية التي عززت توظيف عاملي المعرفة والخدمات، تسببت في إفراغ قطاع التجزئة من الوظائف، ليس بسبب استبدال الموظفين بالروبوتات، بل لأن الهواتف والإنترنت نقلت التجارة من المتاجر التقليدية إلى المواقع الإلكترونية، وهو ما عزز بدوره التوظيف في قطاعات الخدمات اللوجستية والمستودعات نتيجة زيادة التخزين والتوزيع الخارجي.
وتظهر الأمثلة أن التكنولوجيا الواحدة قد يكون لها تأثيرات متباينة داخل نفس القطاع؛ فجدول البيانات الذي انتشر في الثمانينيات كان له أثر كارثي على كتبة الحسابات، بينما ضاعف من أعداد المحاسبين والمحللين الماليين.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي -على المدى المتوسط- سيعزز دور عاملي المعرفة عبر أتمتة المهام التي كان يؤديها زملاء أقل أجرًا، فإن الاعتقاد الشائع بأنه يهدد أصحاب الأجور الأعلى قد يكون مقلوبًا.
وتأتي بعض أكثر الأمثلة دراماتيكية على تدمير المهن من طرق غير متوقعة؛ فبينما نجا موظفو البنوك من وصول أجهزة الصراف الآلي، تلقوا ضربة قاضية من الهواتف الذكية التي جعلت الخدمات المصرفية عبر الهاتف تغني عن زيارة الفروع، ما مهد لمجتمع غير نقدي.
وبالمثل، لم يتوقع الكثيرون كيف سيقوض الإنترنت نموذج أعمال الصحف من خلال طفرة الإعلانات عبر الإنترنت ومحركات البحث.
وختمت الصحيفة بسؤال “هل يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بهذه المهمة؟” نقطة انطلاق مفيدة، لكنه يظل إشارة غامضة تشكل جزءًا واحدًا فقط من صورة معقدة، فالعوامل الأخرى التي تشكل نمو الوظائف تفسر لماذا نمت المهن الأكثر عرضة للذكاء الاصطناعي حتى الآن بنفس قدر انكماشها.