مع اندلاع الحرب ضد إيران، هرع ملايين الأشخاص إلى هواتفهم، وفي غضون دقائق، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع الفيديو، وتنبيهات الأخبار العاجلة، والتكهنات عما قد يحدث لاحقًا.
ما هو الدومسكرولينج؟
وفي مثل هذه اللحظات، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تتحول بسرعة إلى ما يُعرف بـ”الدومسكرولينج” وهو الاستهلاك القهري للأخبار السيئة التي يتم تقديمها عبر تحديثات وتنبيهات لا نهاية لها، وأزمات يتم تضخيمها بواسطة الخوارزميات؛ حيث يمكن أن تتحول عملية فحص سريعة للمعلومات بسهولة إلى دوامة من تحديثات الحرب، وعدم الاستقرار السياسي، والهجمات السيبرانية، والتغطية المستمرة للأزمات.
وخلال الأيام التي تلت الضربات الأولى، تكثف هذا السيل من المعلومات، حيث تم تداول مقاطع فيديو لاعتراض الصواريخ، وإغلاق الأجواء، والحوادث السيبرانية، بالإضافة إلى الكثير من المعلومات المضللة عبر الإنترنت في غضون دقائق من كل تطور جديد.
ومع ظهور المعلومات المؤكدة ببطء، مقابل وصول التحديثات باستمرار، يجد العديد من المستخدمين أنفسهم يعيدون تحديث صفحاتهم مرارًا وتكرارًا، محاولين تجميع الأحداث في الوقت الفعلي، مما يبدو وكأنه رغبة في البقاء على اطلاع، يمكن أن يتحول بسرعة إلى حلقة مفرغة بين نظام اكتشاف التهديدات في الدماغ والمنصات المصممة هندسيًا لإبقاء المستخدمين متفاعلين.
ولا تعمل جميع عمليات التصفح بالطريقة نفسها؛ حيث يضع ألكسندر شارب، المحاضر المساعد في جامعة تشيتشيستر، تميزًا بين “الدومسكرولينج” وما يسميه البعض “تصفح الدوبامين”، مشيرًا إلى أن “الدومسكرولينج” يعرض الاستهلاك المتكرر للمعلومات السلبية أو المتعلقة بالأزمات، حيث لا يتعلق الأمر بالتحفيز بقدر ما يتعلق بالبقاء محبوسًا داخل المواد المرتبطة بالتهديدات.
ويؤكد علماء الأعصاب أن هذا النمط ليس وليد الصدفة، فالإنسان مفطور على إعطاء الأولوية للتهديدات، مما يجعل تجاهل الأخبار السلبية أمرًا صعبًا للغاية.
ويقول باحث علم نفس الإعلام رضا شباهانج، إن الذاكرة البشرية، كأحد مكونات النظام المعرفي الذي شكلته الضغوط التطورية، منحازة نحو إعطاء الأولوية للمعلومات المتعلقة بالخطر والتهديد والطوارئ من أجل دعم البقاء على قيد الحياة.
لذا تكون عمليات الذاكرة فعالة بشكل خاص في ترميز والاحتفاظ بمحتوى الأخبار السلبية، مما يجعل استرجاع مثل هذه المعلومات أسهل، وبالتالي تميل المعلومات السلبية والذكريات المرتبطة بها إلى أن تكون بارزة ودائمة بشكل خاص.
ووجدت دراسة أجراها شارب عام 2026 روابط بين “الدومسكرولينج” والاجترار الفكري، والإرهاق العاطفي، وعدم القدرة على تحمل اليقين؛ حيث أظهر المشاركون الذين أبلغوا عن تصفح متكرر للأخبار الكارثية مستويات أعلى من القلق والاكتئاب والتوتر، إلى جانب انخفاض في القدرة على الصمود.
ويقول شباهانج إن هذا السلوك يمكن أن يشبه شكلًا من أشكال التعرض غير المباشر للصدمة، فالصدمة لا تُختبر فقط من خلال التعرض الشخصي المباشر، بل إن التعرض المستمر لصور أو تقارير الحوادث الصادمة يمكن أن يثير استجابات ضغط حادة، وفي بعض الحالات، أعراضًا مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، والنتيجة ليست دائمًا الصدمة نفسها، بل جهاز عصبي يعاني للعودة إلى حالة الهدوء.
ومع ذلك، يحث علماء الأعصاب على الحذر من المبالغة في تفسيرات العلوم العصبية، إذ إن أدبيات “الدومسكرولينج” لم تقم بعد بعمل كلاسيكي في العلامات البيولوجية، لكننا نرى روابط ثابتة مع اليقظة المفرطة، والاجترار، وصعوبة تحمل اليقين.
ولا يحدث هذا السلوك في بيئة محايدة، بل إن الخلاصات الاجتماعية مصممة بدقة لإبقاء المستخدمين متفاعلين، وعلى المستوى السلوكي، يعمل التصفح بنفس مبدأ آلة المقامرة؛ أي عدم القدرة على التنبؤ، فكل تحديث قد يكشف عن شيء جديد، عنوان رئيسي أو فيديو صادم، وهذا اليقين هو بالضبط ما يدفع الناس للتحقق مرارًا وتكرارًا.
ويدفع عدم اليقين إلى التصفح، ويزيد التصفح من التعرض للمحتوى المشحون عاطفيًا، ويزيد الاستثارة العاطفية من الرغبة في التحقق مرة أخرى؛ كما وجدت دراسة عام 2024 أن “الدومسكرولينج” ارتبط بمستويات أعلى من القلق الوجودي، وفي بعض المجتمعات، بمواقف أكثر سخرية أو كراهية للبشر، ورغم أن البيانات لا تثبت السببية، إلا أن النتائج تشير إلى أن التعرض المتكرر للأزمات قد يشكل ببطء نظرة الناس للعالم.
ويمكن أن يكون النوم أحد أوضح علامات التحذير، حيث يلاحظ الباحثون أنه عندما يؤدي البقاء على اطلاع باستمرار إلى تعطيل جودة النوم أو تأخير موعده، فإن الضباب المعرفي والارتباك وضعف التنظيم العاطفي غالبًا ما يتبع ذلك في اليوم التالي.
ومع تطور أنظمة اكتشاف التهديدات البشرية للاستجابة للخطر الفوري والمحلي، تقدم الخلاصات الخوارزمية أزمات عالمية إلى الأبد، وقد يحدد هذا التوتر بين أنظمة البقاء القديمة والتوزيع الرقمي الحديث في النهاية التكلفة النفسية للاهتمام في العصر الرقمي.