مع تصاعد الحرب على إيران، تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الاستثمارات وقت الحروب لا تتجمد كما قد يعتقد البعض، بل تعيد توجيه مسارها نحو قطاعات محددة ترتبط بالأمن والاستقرار واستمرارية الإمدادات.
الاستثمارات في وقت الحرب على إيران
ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يميل رأس المال إلى البحث عن مجالات قادرة على الاستفادة من الإنفاق الحكومي المتزايد أو من التحولات الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي.
وتظهر تجارب السنوات الأخيرة أن الأزمات الكبرى تعيد رسم خريطة النمو الاقتصادي، إذ تنتقل الاستثمارات إلى قطاعات ترتبط مباشرة بالطاقة والأمن والدفاع والتكنولوجيا، بينما تتجه السيولة في الوقت ذاته إلى الأصول الآمنة لتقليل المخاطر.
الطاقة في صدارة القطاعات الرابحة
تعد الطاقة من أبرز القطاعات التي تستفيد من الاستثمارات وقت الحروب، إذ تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية غالبًا إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وخلال الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، ارتفع سعر خام برنت من نحو 75 دولارًا إلى أكثر من 120 دولارًا للبرميل خلال أشهر قليلة.
وسجلت شركات النفط الكبرى أرباحًا قياسية، إذ تجاوزت أرباح شركة ExxonMobil 55 مليار دولار في عام واحد، وفي الوقت نفسه، تسارع الاستثمار في الطاقة المتجددة في أوروبا بنسبة تجاوزت 25% سنويًا بهدف تقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
كما أن أي تهديد للممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ينعكس فورًا على الأسواق، ما يدفع المستثمرين إلى تعزيز حضورهم في قطاع الطاقة التقليدية والمتجددة على حد سواء.
الصناعات الدفاعية ونمو الإنفاق العسكري
يشكل قطاع الدفاع أحد أبرز المستفيدين من الاستثمارات وقت الحروب، مع توسع الإنفاق العسكري العالمي بشكل كبير، ووفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تجاوز الإنفاق العسكري العالمي 2.2 تريليون دولار بعد عام 2022.
كما رفعت دول أوروبا ميزانياتها الدفاعية بأكثر من 30% خلال عامين فقط، في حين سجلت أسهم شركات الصناعات الدفاعية أداءً أفضل من العديد من المؤشرات المالية.
لا يقتصر الطلب العسكري اليوم على الأسلحة التقليدية، بل يمتد إلى تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي وتقنيات المراقبة والاستطلاع، وهي مجالات تحظى بدعم مباشر من الميزانيات الحكومية.
الأمن السيبراني والحرب الرقمية
مع توسع النزاعات الحديثة، برز الأمن السيبراني كأحد أهم القطاعات التي تستقطب الاستثمارات وقت الحروب، فالهجمات الإلكترونية باتت تستهدف البنوك وشبكات الطاقة والبنية التحتية الحيوية بالتزامن مع النزاعات العسكرية.
وقد تجاوز حجم سوق الأمن السيبراني عالميًا 200 مليار دولار، مع معدل نمو سنوي يتراوح بين 12% و15%، وتزيد الحكومات إنفاقها على الحماية الرقمية فور اندلاع الأزمات الكبرى، إدراكًا لأهمية الأمن الإلكتروني في حماية الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية.
سلاسل الإمداد واللوجستيات
الأزمات الجيوسياسية تؤثر أيضًا في حركة التجارة العالمية، ما يعزز دور قطاع اللوجستيات وسلاسل الإمداد، فخلال أزمات البحر الأحمر الأخيرة ارتفعت تكاليف بعض مسارات الشحن البحري بأكثر من 40%، كما ارتفعت أقساط التأمين على السفن العابرة لمناطق التوتر.
تدفع هذه التطورات الشركات إلى إعادة هيكلة شبكات التوريد عبر تنويع الموردين وزيادة المخزون الاحتياطي ونقل أجزاء من الإنتاج إلى مناطق جديدة، وهو ما يخلق فرصًا استثمارية في التخزين والخدمات اللوجستية والبنية التحتية للنقل.
الذهب والتكنولوجيا الاستراتيجية
إلى جانب القطاعات الإنتاجية، تشهد الأصول الآمنة مثل الذهب تدفقات كبيرة خلال الأزمات، إذ يرتفع سعر المعدن النفيس عادة بين 10% و20% خلال ذروة التوترات الجيوسياسية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومات الاستثمار في التكنولوجيا الاستراتيجية، خاصة الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، فقد تجاوزت الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي 100 مليار دولار في عام واحد، مع توسع استخداماته في المجالات العسكرية والاستخباراتية.
وتشير هذه الاتجاهات إلى أن الاستثمارات وقت الحروب لا تختفي، بل تنتقل إلى قطاعات محددة تجمع بين الأمن والتكنولوجيا والطاقة، ما يعكس تحولات عميقة في أولويات الاقتصاد العالمي خلال فترات عدم الاستقرار.